مرة أخرى يستقبل الشعب الجزائري العيد وهو جريح. تفجيران في حيّين من أحياء العاصمة قضيا يوم الثلاثاء الماضي على العشرات من الأبرياء وجرحا المئات وروّعا المواطنين وأعادا إلى وجدان الجزائريين كابوس سنوات دموية حسبوها مضت إلى غير رجعة.

فكأنما يأبى المدبرون لهذه الجرائم في حق الشعب إلا أن ترتبط في وعيه وذاكرته أعمال القتل والدمار بالمواسم والأعياد الإسلامية. وليس ما سمّته الصحافة الجزائرية بـ”الجُمع السوداء” في بداية تسعينيات القرن الماضي وبـ”الرمضانات الدموية” في نهايتها عنا ببعيد.

كل جزائري غيور على شعبه يُذهل لسماع مثل هذه الأخبار السيئة ويغمره الحزن ويسكنه الأسى. كل جزائري، بل كل إنسان، كامل العقل، سليم القلب، لا يسعه إلا أن يترحّم على الضحايا ويعزّي أهلهم ويستنكر الجريمة ويندد بمنفذيها ومدبريها.

لكن ماذا بعد الذهول والدعاء والتعزية والاستنكار والتنديد؟

لا شك أنّه بعد تدفق العاطفة وهيج الأشجان يأتي وقت التساؤل والاستفهام ثم التحرّي والاستفسار ثم التحليل والتبيان. وأودّ اليوم في هذا العمود، قرابة الأسبوع بعد الحدث الشنيع، الإدلاء بالملاحظات الآتية:

1) عدم قدرة النظام على ضمان أمن المواطن: رغم خطاب النظام الجزائري الانتصاري وحديثه عن القضاء شبه التام على المجموعات المسلحة، تأتي التفجيرات التي تستهدف المواطنين الأبرياء لتفنّد في ثوان ما حاولت آلة التضليل الرسمية تمريره للرأي العام على مدار السنة. وككل مرة نسمع بعد ذلك عن علم مسبق لمصالح الأمن بالتحضير للتفجيرات، وعن إجراءات جديدة صارمة ستُتّخذ لتعزيز الأمن وحماية المواطن، ثم يأتي من رؤوس النظام من يشرح لنا أنّ كل الدول مهما كانت درجة تطورها عرضة لمثل هذه الأعمال.

2) الاستمرار في انتهاج سياسة التضليل: يستمر النظام في التعامل مع رعاياه كقصّر غير قادرين على تحمّل الوقائع واستيعاب الحقائق. فحتى الصحافة الوطنية مُنعت من تغطية الحادث. وفيما يتعلق بعدد الضحايا يصرّ القائمون على شؤون البلاد على تقديره بأقل من ثلاثين قتيلا وحوالي الخمسين جريحا، ثم يأتي التضارب في الأرقام من طرف وسائل الإعلام وتصريحات الشهود العيان ليبلغ حسب بعض التقديرات قرابة المائة قتيل والمئات من الجرحى، أي بفارق خمسة أضعاف عن الأرقام الرسمية. وتأتي الأخبار من هنا وهناك عن جنسيات الضحايا وعن النقل الفوري للأجانب منهم إلى مستشفيات باريس، وعن، وعن… فلا يجد النظام الجزائري سوى الاستغراب واستنكار ما تقوم به بعض وسائل الإعلام من تضخيم للواقعة. ويأتي رئيس الحكومة فيقول: “لقد لاحظنا أنّ وسائل الإعلام الأجنبية، خاصة وكالات الأنباء، ضخمت الأرقام فيما يخص عدد الضحايا”، منتهجا بذلك سنّة سلفه أحمد أويحيى الذي أعلن في 1997 عن 200 قتيل في مجزرة حد شكالة بالغرب الجزائري – وكانت وكالات الأنباء حينها تحدثت عن مئات الضحايا – ليتراجع في سنة 2006 ويؤكد خبر الألف قتيل (نفس فارق الخمسة أضعاف) شارحا موقفه السابق: “لقد طمسنا الحقيقة لأننا لا نقود المعركة بالنفخ في بوق الهزيمة. لقد أخفينا الحقيقة في مصلحة الشعب.” يبدو أن الرقم 5 هو “مُعامِل الكذب” الذي أقره النظام منذ حين في سياسته الإعلامية. ولعله بعد عشر سنوات من الآن إن كان النظام العسكري لا يزال قائما – لا قدّر الله – سوف يأتي عبد العزيز بلخادم ليخبرنا عن الحصيلة الحقيقية للتفجيرات الأخيرة.

3) التمادي في استعمال شبح القاعدة: مباشرة بعد التفجيرات جاءنا وزير الداخلية بالخبر اليقين، معلنا أنّ “لديه قناعة” بأنّ تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” من وراء التفجيرين، وذلك بدون تقديم أدلة ولا انتظار نتائج التحقيق، إن كان هناك. وكأننا مطالبون بالإيمان بالقناعات الزرهونية إلى درجة اليقين. وهذه ليست أول مرة يُستعمل فيها شبح القاعدة، الغول المروّع الذي أصبح منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 بديلا لشبح الـ”جيا” الذي استعمله النظام الجزائري قرابة العقد من الزمن، إلى أن تم استهلاكه إعلاميا وفقد كل مصداقية بعد أن تبيّن للعيان أنه لم يكن سوى أداة إجرامية في أيادي بعض مصالح المخابرات.

4) القبول بأطروحة النظام لدى بعض النخب: من المثير للعجب قابلية البشر لقبول كل ما يقال، مع العلم أنه ليس كل ما يُسمع يُصدّق. ومن المدهش أن يسير على هذا النحو نخبة من علماء المسلمين ومسؤولو منظمات ومؤسسات وكذا مثقفون وحتى قضاة من الدول الغربية، بادروا بشكل صريح أو تلميحا إلى إدانة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”. وإن فسرنا مواقف البعض بمحاباتهم للنظام العسكري في الجزائر لمصالح أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، فإنّه يصعب تفهّم موقف البعض الآخر، جلهم مسلمون عرب ومنهم جزائريون، ممن لجأوا إلى عبارات فضفاضة مثل “أعداء الجزائر” و”الأيادي الأجنبية”، أو ممن صرّحوا أنّ هذا العمل الشنيع لا يمتّ بصلة بالإسلام وهم بذلك يعززون مقولة أنّ الإسلاميين من وراء الجريمة، وهذا بالضبط ما تريد بعض الأوساط الترويج له. من المؤسف أن تفتقد نخبنا، المطالَبة بالتحري قبل الحكم وباجتناب الظن وبالحيطة من البهتان، إلى أبجديات التحليل السياسي للأحداث وإلى أدنى معرفة بوسائل التحكم في الشعوب التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية في العالم، فتسقط هذه النخب في جهالات الترويج الأعمى لأطروحات نظام كذّاب.

5) تكاثر الأطروحات البديلة: في جو التضليل الرسمي من الطبيعي أن تظهر على الساحة الجزائرية أطروحات بديلة تحاول تفسير ما حدث. وتعتمد هذه الأطروحات على تجربة الجزائريين مع النظام العسكري الذي أثبت في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي قدرته على الاستعمال السياسي للتفجيرات والمجازر وأعمال الإرهاب الأخرى، مثل ما وقع من فضائع في حق المواطنين العزّل في 1997-1998 لإرغام الجنرال زروال على الاستقالة. ففي الأيام الأخيرة سمعنا عن علاقة التفجيرات بنزاع في قمة هرم النظام بخصوص ترشّح عبد العزيز لعهدة رئاسية ثالثة، وحتى الوزير نور الدين زرهوني المقتنع بداية بدور القاعدة، أشار لاحقا إلى هذه العلاقة على أمواج قناة الإذاعة الأولى. وسمعنا عن علاقة التفجيرات بنزاع بين مجوعات الضغط الموالية لدول كبرى بخصوص العقود التجارية والاقتصادية التي أُبرمت مع فرنسا أثناء زيارة نيكولا ساركوزي إلى الجزائر، وسمعنا عن علاقة التفجيرات بمواقف صدرت عن لجنة حقوق الإنسان الأممية بخصوص الأوضاع في الجزائر استُعملت فيها لأول مرة عبارة “جرائم ضد الإنسانية”، إلخ.

6) فشل سياسية “المصالحة المزوّرة”: مهما يكن الأمر فإنّ ما يحدث في الجزائر دليل واضح على فشل سياسةٍ سميت زورا بالمصالحة الوطنية، اقتصرت على محاولة إزالة الأعراض الأمنية للأزمة، وتجاهلت معالجة أسبابها السياسية، ثم أرادت الخوض في مخلفاتها الاجتماعية والنفسية عبر قوانين جائرة تجرّم الضحية وتمجّد المجرم وتغيّب الحقيقة وتطمس الذاكرة وتكرّس الإفلات من العقاب. ولن تغيّر من الأمر شيئا المهرجانات البائسة التي تقوم بتنظيمها شرذمة من المرتزقة السياسيين، وجلّهم من الإسلاميين المتحالفين مع النظام، لترشيح عبد العزيز بوتفليقة لجائزة نوبل 2008 للسلام بعد أن فشل في الحصول عليها العديد من المرات.

7) مواصلة المعالجة الأمنية للأزمة السياسية: إنّ المقاربة العقيمة لأزمة الجزائر المتمحورة أساسا حول الشق الأمني لازالت هي السائدة. وحتى شخصا مثل رئيس الحكومة الذي كان في زمن ما من المحسوبين على تيار الحوار والمصالحة الوطنية التي تعالج أسباب الأزمة ولا تقصي أحدا، تراه اليوم ينادي بـ “مزيد من اليقظة والتجنّد” من أجل “استئصال كل من يحملون السلاح ضد البلد، رغم الفرص التي مُنحت لهم للعودة إلى الصراط المستقيم.” ويخاطب جمعا من السفراء العرب أثناء الاحتفال مؤخرا بـ “يوم الشرطة العربية” بالمدرسة العليا للشرطة بشاطوناف، معقل التعذيب المشؤوم، مؤكدا على ضرورة: “تعزيز التعاون بين الدول العربية والتنسيق بين مصالح الأمن”، وهي الأجهزة الوحيدة التي يتعاون فيها العرب منذ عقود.

أخيرا، وفي هذه الأيام المباركة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج محنة الشعب الجزائري، إنه سميع مجيب.

عباس عروة
17 ديسمبر 2007

المصدر: http://www.rachad.org/index.php?option=com_content&task=view&id=70&Itemid=61