“إذا ما اتفقتوا ما ترجعوا” (إذا لم تتفقوا، فلا تعودوا !) بهذه العبارة قام العديد من اللبنانيين ومنهم ضحايا الحرب الأهلية، تجمعوا أمس على طريق مطار بيروت، بتوديع زعماء التيارات السياسية المختلفة، من موالاة ومعارضة، المتوجهين إلى الدوحة للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني اللبناني.

وهذا يعبّر عن مدى معارضة اللبنانيين لحرب الأشقاء، وعن تطلعاتهم في حلّ سلمي للأزمة التي تعصف بالبلد منذ عدة أشهر، تلك الأزمة السياسية التي تحاول بعض القوى الإقليمية والدولية، وحلفاؤها في لبنان، تحويلها إلى نزاع طائفي قد يُشعل لبنان ويجعل منه – لا قدّر الله – عراقا آخر. فالمولاة والمعارضة، كلاهما له حلفاء وأنصار في كافة الطيف الطائفي اللبناني من سنّة وشيعة وكنائس نصرانية مختلفة ودروز، إلخ. والنزاع اللبناني ليس سوى تعارض أهداف فيما يتعلق باقتسام السلطة، وخاصة حول دور المقاومة في لبنان.

وخلال اللقاء الوزاري لجامعة الدول العربية الخاص بلبنان، الذي انعقد على إثر المواجهات التي عرفتها بيروت ومناطق لبنانية أخرى الأسبوع الماضي، تقرر تشكيل لجنة وزارية يترأسها رئيس حكومة قطر والأمين العام للجامعة العربية، وتضم وزراء خارجية ثمان دول عربية وهي: الأردن والإمارات العربية والبحرين والجزائر وجيبوتي وعمان والمغرب واليمن. وقد تمكنت هذه اللجنة العشارية التي توجهت إلى بيروت، في وقت قياسي، من إقناع أطراف النزاع للجلوس على مائدة الحوار، بل واستطاعت أن تجعلهم يستقلون طائرة واحدة لسفرهم إلى الدوحة. فما سرّ هذا الإنجاز؟ لعل سبب ذلك يرجع إلى الغياب الملحوظ في تشكيلة اللجنة للسعودية وسورية ومصر، تلك الدول التي فقدت منذ زمن بعيد كل مصداقية في المساهمة في حلحلة الأزمة اللبنانية.

لقد تم افتتاح مؤتمر الحوار الوطني اللبناني أمس من طرف أمير دولة قطر الذي قام في كلمة موجزة بالترحيب بالحضور متمنيا لهم النجاح، وتتواصل ابتداء من هذا الصباح أعمال المؤتمر التي يرتقب أن تستمر لعدة أيام. ولا يسعنا إلا أن نتمنى أن يفضي هذا الحوار إلى اتفاق يجنب لبنان سعير نزاع مسلح يأتي على الأخضر واليابس ولا يخرج منه أيّ طرف سالما. اتفاق يحول دون تحوّل لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى خارجية. ولا يتم ذلك إلا إذا وعي كل المشاركين في المؤتمر بالمسؤوليات الوطنية التي تقع على عاتقهم وبالآمال والتطلعات الهائلة لمواطنيهم. أما إذا فشلوا في ذلك – لا قدّر الله – واستمروا في خدمة أجندات أجنبية عوض الحرص على مصير بلدهم، فبالأحرى أن لا يعودوا إلى بيروت وأن يلتحق كل واحد منهم بولي نعمته، وسيجد الشعب اللبناني حتما من أبنائه من هو أجدر بتمثيله وحماية مصالحه.

عباس عروة
17 مايو 2008