لما أخبرني صديق لي منذ أيام قليلة عن وفاة المفكر د. عبد الوهاب المسيري وبعد مرور الصدمة الأولى وحلول إحساس الحزن على فقدان هذا الرجل المتميز بفكره ونضاله، عاد إلى ذاكرتي الانطباع الذي ودّعت به الفقيد في آخر لقاء جمعنا منذ أكثر من عامين، وكان ذلك في الدوحة على هامش المنتدى الفكري الأول لمركز الجزيرة للدراسات حول موضوع “الإسلام والغرب: من أجل عالم أفضل” (الدوحة 26-28 مايو 2006)، وأهداني حينها مجموعة من كتبه ونسخة من موسوعته عن اليهود واليهودية على قرص CD، وهي هدية أعتز بها. كان انطباعي آنذاك أنه إذا أردنا وصف المسيري بثلاثية فهي بلا شك: “الأصالة والتجرد والالتزام”.

فكتابات المسيري وأحاديثه تعبّر عن أصالة متجذرة وعن تمسّك بقيم ترعرع في أحضانها ولم تُصَب بخدش خلال إقامته الطويلة في بلاد الغرب، فلم يلق مصير عدد من نظرائه الذين أُرسلوا في بعثات دراسية إلى أوروبا وأمريكا فانبهروا بأضواء “مدائن الأنوار”، كما سمّوها، إلى حد الإصابة بالصداع العابر أو بالضرر الدائم. ولكن المسيري مع ذلك كان متنورا متفتحا على ما ينتجه الغرب من قيم نبيلة ومنظومات فكرية قيّمة.

وكان المسيري متجردا غير منبهر بـ”عالم الأشياء” على حد تعبير المفكر مالك بن نبي رحمه الله، ولم يكن ذلك على المستوى الفكري فحسب، فلطالما عبّر في كتاباته عن خطر تشييء الإنسان وحصره في البعد الوظيفي وحصر الحضارة في البعد العمراني المادي، وعلى وجه الخصوص الحضارة الإسلامية التي تنبذ التطاول في البنيان وتركز على بناء الإنسان، وإنما تعدّى ذلك إلى ممارسة سلوكية لاحظتُها خلال الفرص القليلة التي أتيحت لي للقائه، فقد كان تواجده فقط في مواطن البذخ – طريقته في الملبس والمجلس والطمأنينة التي كان دوما يشعها – كان ذلك كافيا ليتفطّن الحضور إلى تفاهة الديكور وليتذكروا، عند حديثه، وجود قيم أخرى إنسانية سامية. كما أنّ تجرّد المسيري انعكس على أسلوبه في الكتابة فهو، وإن كان أديبا شاعرا، حرص على الابتعاد عن زخرف القول، جاهدا في الدقة والوضوح في عرض الأفكار مركزا على الأبعاد المنهجية، وهو ما صبغ كتاباته بنوع من التجريد، وبعمق فلسفي. لكنها فلسفة سهلة الإدراك، تعالج المشاكل الحقيقية للإنسان، وخاصة الإنسان العربي، وتركز على همومه اليومية، ولا تناقش إشكالية “جنس الملائكة” كما يحلو لبعض المتفلسفين، المتطفلين على الفلسفة في عالمنا العربي، من “أصحاب هوبس” كما يسميهم أحد الأصدقاء والذين يخطئون في تقدير أولويات الأمة.

تحدّث الكثيرون وسيتحدثون عن غزارة إنتاج المسيري الفكري وعن ضخامة عمله الموسوعي في دراسة اليهود واليهودية، العمل الذي لا شك أفاد به المكتبة العربية إفادة جمة. ولكنه أيضا أفاد الأمة بحسن تشخيص الداء الذي تشكو منه وتحديد الدواء الناجع لعلاجه. فهو من الأوائل الذين فطنوا في العالم العربي إلى أمور أساسية منها: 1) إذا كانت الأمة تعيش مخاطر وتحديات كبيرة من احتلال وعدوان متعدد الأوجه ومشاريع تستهدف مقوّماتها وتهدد هويتها وكيانها، فإنّ الاستبداد والفساد المستفحلَين داخل جسمها هما السببان الرئيسيان اللذان يُضعفان مناعتها ويعيقان مقاومتها للمخاطر والتحديات، 2) لا يصلح حال الأمة إلا بتغيير سياسي شامل؛ 3) لا بد أن يرتكز التغيير السياسي على الوسائل اللاعنفية 4) يتطلب التغيير والإصلاح اتحاد كل القوى الفاعلة في المجتمع مع اختلاف اتجاهاتها السياسية والفكرية والمهنية.

وهذا ما يفسّر مشاركة المسيري مجموعة من الرموز السياسية والفكرية والثقافية والنقابية في مصر في تأسيس “الحركة المصرية من أجل التغيير – كفاية” التي ظهرت في صيف 2004 لمعارضة مبدأ تمديد عهدة حسني مبارك وتوريث ابنه، ثم أصبح منسقا عاما لها منذ يناير 2007. ويجدر التذكير بأنّ الحركة رفضت التحوّل إلى حزب سياسي، لأنّ مؤسسيها ومنهم المسيري عاينوا عن قرب الأمراض التي تعاني منها معظم الأحزاب المصرية – وينطبق ذلك على الأحزاب العربية عموما، إسلامية كانت أم علمانية – من تسلّط للشيخ أو الزعيم وتعصّب للرأي، وعبادة للهيكل، وإلغاء للغير، إلخ.

إنّ التزام المسيري الدفاع عن مصالح الأمة وحضوره في العديد من الاعتصامات والمظاهرات الاحتجاجية في مواجهة الفساد وانتهاك الحريات عرّضه للأذى فوُصف مع إخوانه في حركة “كفاية” بالخيانة و”الاستقواء بالخارج” على حد تعبير الرئيس المصري. بل تعرّض إلى كثير من المضايقات وصلت إلى حد اختطافه وأهله والرمي بهم في صحراء نائية.

كان المسيري رحمه الله غاندي وتشومسكي العرب في آن واحد. جمع بينه وبين نعوم تشومسكي حبهما للغة ومعرفتهما العميقة بأسرارها، فقد كانت اختصاصهما الأساسي، وأيضا خروجهما من مخابر البحث وغرف الدراسة إلى الشارع لمناهضة الظلم والمساهمة في التغيير السياسي والاجتماعي. وأما الذي جمعه بمهندس غاندي فكان تجرّده ونأيه عن “عالم الأشياء” وكذا نضاله الميداني من أجل تغيير لاعنفي للأوضاع المزرية للشعوب يعيد للفرد كرامته وللمجتمع حيويته. كان المسيري إذن أحسن مثال للمثقف الملتزم، وما أحوجنا إلى مثله في عالمنا العربي المكتظ بالمثقفين المنتمين إما لطائفة “علماء السلطان” أو لفريق “الخبزيين” الذين يتخبّطون في عالم الأدوات الكهرومنزلية.

عباس عروة
12 يوليو 2008