احتدمت معركة الخمار القديمة المتجددة في الآونة الأخيرة بين مناصر ومعترض، بعد إعلان وزير الداخلية إدخال وثائق الهوية البيومترية، إذ انبرى كل فريق يدافع عن موقفه حتى تحولت الساحة إلى معارك دونكيشوتية في ساحة طواحن سرفنتاس. ويكاد يجزم المرء، أنّ لب القضية أو الخديعة تحديدا، لم تنطل على الأغلبية العظمى من المواطنين، حيث لم يغب عن إدراك البسيط قبل المتطلع، الطابع السريالي لهذه المعارك العبثية، وأوضح ذلك، ليس لأنّ الخمار قضية تافهة، فكشف شعر المرأة بالنسبة للمسلمة الملتزمة بشرع ربها أمر ليس هينا، كما أنّ التدخل في الأمور الشخصية والفكرية والعقائدية للمواطنين يعد انتهاكا للحقول الأساسية المكفولة بموجب المواثيق السماوية والدولية الوضعية على حد سواء، ومن ثَم لا يعتد بالذريعة المتسترة خلف المقتضيات الأمنية لانتهاك هذه الحقوق المشروعة، كما أنّ مسألة خمار المرأة المسلمة جوهري من الناحية الشرعية، مهما أراد بعض مرضى القلوب تسفيهه أو التشكيك فيه، ولأدلّ على ذلك، محاولة السلطة إحياء هذه المسالة في كل مرة، في إطار عملياتها الابتزازية وتعفين الوضع للتستر على ما هو أخطر بالنسبة لها، وذالك لعلمها بمكانة الخمار عند المرأة المسلمة. لكن بعد توضيح ذلك، ما أقصده بسريالية وعبثية المشهد هو وكأنّ هذه المعركة الوهمية تطل علينا برأسها من عصر غابر، لا علاقة له بما يعيشه الشعب الجزائري المطحون بين فقر مدقع وقمع ساحق، لا يكفل له لقمة عيش يومه، ولا يضمن له كرامته وحقوقه الأساسية، بحيث بينما يكابد هذا الشعب الجزائري واقعا مريرا ناتجا عن فساد مستشر منقطع النظير، بفعل سوء وتفسخ إدارة السلطة، خرج السيد زرهوني، وزير البوليس، بورقة “صد الأنظار”، يحاول من خلالها إلهاء الشعب عن حقيقة الوضع، وعن مطالبه الاجتماعية والسياسية والحقوقية الملحة، التي تعجز هذه السلطة عن تلبيتها، لأنّ هذه السلطة بالإضافة إلى عدم كفاءتها ولا شرعيتها، لم تضع يوما اهتمامات المواطنين ضمن أولوياتها؛ بكلمة موجزة، فاقد الشيء لا يعطيه.

وفي جو متحلل من الفساد، يزكم الأنوف، من اختلاسات خيالية الأرقام التي باتت قوت المواطن اليومي، وبعد تيقّن هذا المواطن من عدم جدية السلطة في متابعة المجرمين الذين ينهبون أموال البلاد رغم معرفة هوية المختلسين، واسم البنوك التي يودعون أموالهم المهربة فيها، لسبب بسيط، وهو أنّ أموال كبار ساسة السلطة مودعة بنفس البنوك ولا يريدون من أحد الإطلاع على سرية حساباتهم، وفي وقت يقدّم ساسة البلاد كل صغيرة وكبيرة، حتى أدقّ التفاصيل عن الشؤون الخاصة بالمواطن إلى بنك المعلومات العالمي، الذي تديره وكالة العمّ سام، في خضم هذا الوضع المنذر بانفجار وشيك، نجد أنفسنا ندفع دفعا نحو “هامش” الواقع، لإنهاك قوانا في حروب مفتعلة، وهو ما يفرض علينا طرح السؤال: لماذا الآن تحديدا؟

رجل الداخلية يقول إنّ الأمر يتعلق بالتزامات دولية، ونلاحظ بدورنا أنّ الالتزامات الدولية لا تكون بالنسبة للدول البوليسية إلا لما تكون هذه الالتزامات أمنية الطابع، ولا يخفى على أحد، أنّ توافق الدول البوليسية، العربية تحديدا، لا يكون مطلقا، ولا يستثنى منه أحد، إلا لما يتعلق بإجراءات أمنية، واجتماعات الوزراء على سبيل المثال لا يكتمل نصابها، إلا خلال لقاءات وزراء الداخلية، بل ينعقد اللقاء في هذه الحالة بحضور جميع أعضائه مهما كانت الخلافات بين الدول المعنية. لكن الالتزامات الدولية التي يبرر بها السيد زرهوني الأخذ بالمعيار البيومترية، لا نجد لها أثرا عندما يتعلق الأمر باتفاقات ذات طابع قانوني أو حقوقي أو اقتصادي يتطلب الشفافية (ولأدلّ على ذلك المراتب التي تحتلها الدول العربية والجزائر تحديدا، غالبا ما تكون ما بعد المائة، في كافة التصنيفات العالمية بهذا الشأن)، كما نسجل ذلك في موقف الجزائر الأخير (قبل أسبوع) في رفضها الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث أكّد ممثل الجزائر في اجتماع الـ27 للجنة خبراء وممثلي الدول العربية لتنسيق المواقف بشأن المحكمة الجنائية الدولية، في القاهرة، أنّ “عددا كبيرا من الدول العربية ترفض في الوقت الحالي الانضمام إلى المحكمة الجنائية بسبب ممارساتها غير المستقلة”! وأكّد أنّ “مفهوم العدوان يعني اعتداء دولة على دولة أخرى ولا يشمل اعتداء دولة على مجموعة سكانية أو أثنية داخلها”، وهنا بيت القصيد، حيث تشكّل هذه النقطة تحديدا الهاجس الرئيسي بالنسبة لمعظم الدول العربية، التي تخشى أن تتم متابعة المسؤولين فيها على أساس ما يقترفونه من انتهاكات جسيمة لحقوق شعوبهم.

أما بالنسبة لراكبي موجة الدفاع عن الخمار، خاصة منهم الذين يدافعون عنه من داخل “الحكم” القائم، ونقصد بالأخص قيادة حركة حمس، فاعتقد أن لا أحد يأخذ محمل الجد، تهديدها الأخير بالتمرد، وأولهم وزير البوليس نفسه، لسبب بسيط، وهو أنّ الأليف العليف لا يمكنه التمرد، لأنه مكبل الإرادة.

كان السيد سلطاني قد أعلن عن استعداد الحركة “خوض معركة سياسية ضد هكذا إجراءات من شأنها أن تمس بالحريات الشخصية والمبادئ الإسلامية لغالبية الشعب الجزائري”!

ويذهب الكثير من المتتبعين للشأن الجزائري إلى أنّ تمرده لا يعدو كونه استهلاكا إعلاميا وتطييب خاطر قواعده، لأنه في واقع الأمر، منذ اللحظة التي اختارت حركته مشاركة النظام الانقلابي، وأدارت ظهرها لخيار الشعب وسيادته، وقبلت بأن تجلس على طاولة الحكم بناء على ولائها للانقلاب، وإحرازها على مقاعد البرلمان والحكومة على أساس نظام الكوطا، لا على أساس شرعية الصناديق، التي جرّبتها ذات ديسمبر 1991، وتجرّعت مرارة نتائجها فكفرت (ليست وحدها) بها إلى الأبد، لم يعد بوسع الحركة القيام بأيّ نوع من التمرد الحقيقي، ولا تملك وسائله ولا أخلاقياته، ولا هي حتى مستعدة للخروج عن الطاعة التي ستحرمها من نعمة ولائها. هذا بالإضافة إلى الملفات المجمدة، المعدة لحينها، لإخراجها في حالة ركبت رأسها، ملفات فساد ليس أقلها، مشروع الطريق السريع، وقد لوّح السيد بوتفليقة نفسه بهذا الخصوص في اتجاه سلطاني وذكرته بذلك السيدة حنون.

ونضيف أنه ليس من المستبعد أن يكون الملف قد أُعدّ أصلا لضرب عصفورين، أو أكثر، بحجرة واحدة، فإلى جانب صد الأنظار عن الوضع الحقيقي الذي يوشك على الانفجار الاجتماعي، والجمود السياسي الذي دخل عقده الثالث، فهو في الوقت نفسه ورقة، قد “تتنازل” فيها السلطة لتبدو كمن استمع إلى رأي العقل واستجاب لمطالب الشعب، ولما لا يكون السيد سلطاني الحليف، نصير الخمار، هو من يجني ثمار ذلك “النضال” وإظهاره في صورة المستبسل في الدفاع عن حقوق الشعب المشروعة، ونجد إشارة في هذا الاتجاه، عند إعلان حركة حمس إلى أنّ ”التراجع الذي أعلن عنه وزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني ـ وهو مشكور على ذلك ـ والتوضيحات التي قدّمها أول أمس بشأن عدم إجبار النساء على نزع الخمار والرجال على حلق اللحى، والاكتفاء بتهذيبها، كان نتيجة للضغط الإعلامي والسياسي الذي رافق الملف”! أجل يقصد جنابه ضغط التمرد الذي أعلن عنه السيد سلطاني.

لكننا في الواقع المعيش لم نشاهد أيّ تمرد من حركته لمّا انتهكت هذه السلطة، التي هو جزء منها، حقوق الشعب من تقتيل وتفقير وتغييب واختطاف لآلاف المفقودين؟ تلك مساحة، غير مسموح له التمرد فيها. وبدل خوض حروب وهمية في التمرد الاستعراضي من أجل الخمار كان من الأولى (هيهات له ثم هيهات) أن يحتج جلساء نادي “مجلس الشعب” على إساءة استخدام السلطة، واستخفاف وزير البوليس بحقوق المواطنين وانتهاك القوانين والشرعية التي يفترض أنهم الأمناء عليها، لكن أنّا لهم ذلك وهم رهائن خزينة هذه العصابة، ثم ألم يضاعف مرتبهم، أربعة وعشرين ساعة قبل التصويت على تعديل دستوري يسمح لولي النعمة بالتربع على عرش رئاسة ملكية إلى أن يلقى ربه؟ كيف لهم إذن أن يتمردوا؟

المسألة واضحة، حيث يتمثّل جوهر القضية، والرهان المصيري فيها، بعد التحكم في المواطنين وفي مصيرهم، في تعقّب كل شاردة وواردة تخص هويتهم ومسارهم في حياتهم اليومية، “من المهد إلى اللحد” وجعل هذه المعلومات الشخصية والدقيقة رهن إشارة (بل وبإيعاز) الاستخبارات الدولية، الفرنسية الأمريكية تحديدا، وهو بمثابة الثمن الواجب دفعه، الذي بفضله قد يسمح للسلطة الحاكمة بشراء ود ورضا أصحاب المصلحة، للسكوت عن استبدادها وانتهاكاتها الجسيمة، بمعنى شكل من أشكال الابتزاز الذي تمارسه هذه القوى الدولية “الديموقراطية” إزاء الأنظمة العربية الفاشية.

وللتذكير، ففي إطار العمل وفق المعايير البيومترية، يتعيّن على مقدّم الطلب للحصول على هذا النوع الجديد من الوثائق، الإجابة على مجموعة واسعة من الأسئلة البوليسية، لا علاقة لها بالمعلومات الضرورية لاستخراج مثل هذه الوثائق، من قَبيل: على من تعرّفت خلال فترة الدارسة؟ مع هم زملاؤك خلال الخدمة العسكرية؟ ولتكتمل الصورة، فاجأتنا وزارة السيد زرهوني بمنح عقد إعداد جوازات السفر البيومترية إلى الشركة الفرنسية “أوبراتور تكنولوجي”! هل بلغ التخابر مع الأجنبي، الفرنسي تحديدا، مثل هذا المستوى من الانحطاط، ومثل هذا القدر من التنكر لتضحيات ملايين الشهداء الذين افتكّوا مصير بلادهم من مخالب هذه “الفرنسا” التي لم تخرج إلا لتعود بالتعاون مع كابورالاتها الأوفياء؟

وإذا كانت حُجة أصحاب مصالح التخابر، أنّ الأمر نفسه يجري العمل به في دول أوروبا نفسها، فهم بذلك يتعمّدون التستر على نقطة أساسية، وهي أنّ السلطة في الجزائر في إجرائها هذا لم تقم بإنشاء ― كما حدث في هذه الدول التي تتحجج بها― هيئة مستقلة لرصد والتحقق من مشروعية معالجة البيانات الشخصية التي يجب أن تكفل احترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. هذا إلى جانب أنّ الولايات المتحدة نفسها لم تمنع الخمار في بلدها، ولا الدول الأوروبية، كما لا يُعقل أن يُفرض في دول الخليج، لأسباب تتعلق أكثر بخشية أوروبا والعمّ السام على المصالح الاقتصادية، ليس إلا.

لكن من العبث مطالبة هذا النظام الاستبدادي الشمولي في الجزائر بمثل هذه مطالب، بشأن الرقابة والاستقلالية وما إلى ذلك، حيث من غير الوارد أن يقبل وزير الداخلية الذي استحوذ على جميع الحقوق، ويشعر ويتصرف وكأنه فوق القانون، وليس بوسع لا البرلمان ولا العدالة أن تراقب أعماله، أن يسمح بأن تقوم هيئة مستقلة بمراقبة الإدارة، كما من السخافة الاعتقاد بإمكانية اللجوء إلى العدالة لإثبات بأنّ انتهاكات وزير البوليس تخالف القانون المحلي والدستور والقانون الدولي، لسبب بسيط وهو أنّ هذه العدالة نفسها تأتمر بأوامره، ولا تصدر إلا القرارات التي يكون هو مصدرها أو لا تخالف أوامره.

وبما أنّ الفضيحة لا تأتي منفردة، فقد جرى في الأيام الأخيرة توقيع اتفاقية قضائية لتبادل الأدلة الجنائية وسجلات البنوك والشهود بين أمريكا والجزائر، تنص الاتفاقية على تبادل الأدلة الجنائية والمستندات المالية وسجلات البنوك والمؤسسات الأخرى. وسيكون متاحا للعدالة والمحاكم الأمريكية الإطلاع على سجلات البنوك الجزائرية وكشف سير حركة الأموال في الحسابات البنكية التي تكون محل شبهة، والإطلاع على المستندات المالية للمؤسسات العاملة في الجزائر، والاستفادة من كافة المعلومات والأدلة الجنائية، واستنطاق الشهود الجزائريين أو المقيمين في الجزائر.

لكن في الختام، إذا علمنا أنّ الأغلبية الساحقة، المسحوقة حتى الآن، من الشعب الجزائري، “خارجة” إطار الحكم، ولا تمثّل هذه السلطة القائمة أكثر من نسبة 5 إلى 10 في المائة من المواطنين، المشكّلة من المنتفعين من ريع البلاد؛ كما يعلم العام والخاص أنّ الانتخابات كلها مزوّرة حتى قبل إجرائها، من خلال ترسانة إدارية قانونية، معدة سلفا، ولا تعبّر مطلقا عن إرادة الشعب وسيادته؛ فمن هذا المنطلق، من المؤكد أنّ تصويتا حقيقيا سياديا سيقلب الطاولة على هذه السلطة ويبطل مفعولها. وثمة مناسبة لتجسيد ذلك أو على الأقل أول خطوة على هذا الطريق (ليست خيالية ولا من باب التمني)، إن حسنت النوايا، وصدقت الإرادة. أجل ثمة تصويت لا يمكن للسلطة تزويره، وهو في متناول اليد، ويمر عبر رفض الشعب، برمته، هذه العملية المخابرتية، التي تريد بيعه في سوق النخاسة. ويمكن للشعب الحريص على كرامته، رفض استسلامه، من خلال عدم استخراج هذه الوثائق البيوميرية. ما عساه النظام أن يفعل؟ لا شيء، خاصة إذا كانت العملية عارمة منظمة. ولا يمكن للدولة مهما كان حجم بطشها أن تُجبر المواطنين على استخراج جواز سفر، فذلك قراره وحده، وامتناعه عن تلبية خطط السلطة، يكون بمثابة أول خطوة في طريق رفض شرعيتها وأول مسمار يدق في نعشها، وأول لبنة في صرح التغيير اللاعنيف. لا يمكن لأيّ نظام حاكم مستبد أن يحكم، إذا غاب من يتحكم فيه. أو كما يقال فالجلاد هو بنفسه بحاجة إلى ضحيته.

لنجعلها إذن خطوة أولى في مسيرة بناء دولة سيادة الشعب، صاحب الشرعية، لإقامة الجمهورية الأولى، لا تتطلب أيّ سلاح، باستثناء قوة الإرادة والعزيمة والاستمرارية.

د. رشيد زياني شريف
عضو مجلس الشورى للجبهة الإسلامية للإنقاذ
17 أبريل 2010