التفاوض آلية من آليات فض النزاع يتميّز عن آليتي الوساطة والتحكيم في عدم اللجوء إلى طرف ثالث يشارك في المحادثات، وإذا وُجد مسهّل للتفاوض بين أطراف النزاع فإنّ دوره يقتصر على توفير الدعم اللوجستي لعملية التفاوض. وخير مثال على مسار التفاوض هو ما حدث بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والحكومة الفرنسية في نهاية حرب التحرير الجزائرية، أي بين 1961 و 1962، حيث كانت المحادثات تجري بين طرفي النزاع فقط، وإن كانت الحكومة السويسرية قدّمت في مراحل متأخرة من المحادثات دعما لوجستيا للطرف الجزائري.

أما ما نشهده في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي فهو صيغة هجين أقرب إلى الوساطة منها إلى التفاوض، لأنّ هناك أطرافا ثالثة، أو بالأحرى طرفا ثالثا رئيسيا متمثّلا في الولايات المتحدة الأمريكية، يطمح إلى لعب دور حيوي في عملية الوساطة، إلا أنه ليس مؤهلا للقيام بدور الوسيط.

هناك شروط لنجاح أيّ مفاوضات بين أطراف النزاع تشمل أولا: سلوك التفاوض أي استعداد الأطراف ونظرتها ومقارباتها للتفاوض، ثانيا: مضمون التفاوض أي المواقف والمصالح والأهداف المطروحة للتفاوض، ثالثا: عملية التفاوض، أي كيفية التفاوض ومَن يشارك فيه وبرعاية مَن. وفيما يلي ثمانية شروط ينبغي أن تتوفّر لنجاح المفاوضات وهي التكافؤ والمشروعية والتمثيلية والشرعية والمرجعية والمصداقية والتجرّد والإبداع. وهذه الشروط غير متوفّرة في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية وهذا ما يفسّر تعثّرها المتكرّر والمستمرّ.

1― التكافؤ: أهم شرط لنجاح المفاوضات هو توفّر النية الحسنة والإرادة القوية والجاهزية الفعلية لدى جميع الأطراف. ولا يتحقّق ذلك إلا إذا شعر الجميع بترابط مصالحهم ببعضها البعض وبكونِ بعض المصالح الذاتية تُصان بشكل لا يتم إلا بواسطة التفاوض. وفي الحالة الفلسطينية هذا الشرط غير متوفّر لعدم التماثل والتكافؤ بين الأطراف ولاختلال ميزان القوة بينها. فمن جهة هناك جانب إسرائيلي متغطرس بقوته العسكرية والسياسية والدبلوماسية، ومن جهة أخرى جانب فلسطيني مشتّت ومستضعف سياسيا وعسكريا. ولكون الجانب الإسرائيلي، في حقيقة الأمر، ليس في حاجة إلى التفاوض لتحقيق مصالحه، فهو لا يلجأ إليه إلا لكسب الوقت من أجل تغيير الواقع على الأرض، ويوظّفه كغطاء لعملية تهويد المعالم الفلسطينية ووضع العالم أمام الأمر الواقع. فالواجب إذن تحقيق أكبر قدر من التماثل والتكافؤ بين الأطراف بدعم مقاومة الشعب الفلسطيني والسعي إلى توحيد صفوفه، من جهة، وبفضح تعنّت الجانب الإسرائيلي وإضعاف موقفه على الصعيد الدولي، وكذا بدعم القوى الإسرائيلية والحركات اليهودية في العالم المنادية بالسلم العادل، من جهة أخرى.

2― المشروعية: لا بد من النظر في مشروعية الأهداف والمصالح وقابليتها للتفاوض، فهناك من القضايا ما يمكن طرحه للتفاوض وهناك ما هو غير قابل للتفاوض أصلا، مثل الحاجيات الأساسية للفرد والمجموعة ومنها المأمن والمأكل والمشرب والملبس والملجأ، إلخ. وأيضا الحق في الحرية وفي احترام الهوية، فلا يجوز مثلا التفاوض على كيفية مصادرة السكن أو إلغاء أحد مقومات الهوية. فالواجب إذن قبل الدخول في أيّ عملية تفاوض أن يعمل الجانب الفلسطيني على ضبط مضامين التفاوض بحيث لا تتعارض مع الحقوق المشروعة والحاجيات الأساسية للإنسان والشعب الفلسطيني.

3― التمثيلية: تمثيلية الأطراف (وليس طرفين فقط كما يتوهّم البعض) أمر حيوي في أيّ نزاع وعلى وجه الخصوص النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي هو نزاع بين شعبين وليس بين حزبين. وهذا ما يتوخّاه إلى حدّ كبير الجانب الإسرائيلي بحرصه على احترام واعتبار مطالب كل مكونات مجتمعه، وما لم يتوفّر بعد لدى الجانب الفلسطيني لانقسام صفوفه وانحصار تمثيل المفاوض في طرف واحد من الأطراف الفلسطينية. فالواجب إذن أن تُشرك، بشكل من الأشكال، كل شرائح المجتمع الفلسطيني وتكتلاته السياسية وتياراته الفكرية وقواه الاجتماعية في عملية التفاوض.

4― الشرعية: من الضروري توفّر الشرعية لدى المفاوض الذي يجب أن يكون مفوّضا من أصحاب الحق، يمتلك سلطة شرعية للتفاوض وهذا يعزّز موقفه تجاه الأطراف الأخرى. هنا أيضا نرى انعدام التماثل في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، فبينما يستمدّ المفاوض الإسرائيلي شرعيته من انتخابات حرّة ونزيهة، على الأقلّ بمفهوم الديمقراطية الإسرائيلية، يفتقد المفاوض الفلسطيني إلى حدّ كبير إلى الشرعية الشعبية. فالواجب إذن أن يُفضّ النزاع الفلسطيني-الفلسطيني بأسرع ما يمكن، ليتسنّى تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة، يُعترف بنتائجها إقليميا ودوليا، وتنبثق عنها سلطة تشريعية وتنفيذية شرعية تعيّن الفريق المفاوض وتمنحه سلطة التفاوض.

5― المرجعية: المرجعية هي مجموعة النصوص والمؤسسات المتفّق عليها سلفا والتي يلجأ إليها المفاوض لتحديد موقفه تجاه ما يطرأ من أحداث ومواقف في مسار التفاوض، وهي البوصلة التي تحمي المفاوض من الضياع في متاهات التفاوض ومن أن يحيد عن الإطار العام الذي حدّدته له الجهة المفوّضة. وفي حين يتمتّع الجانب الإسرائيلي بمرجعية صلبة تحظى بإجماع المجتمع الإسرائيلي، يفتقد الجانب الفلسطيني إلى مثل هذه المرجعية ويسير في ضبابية تراكمت من جراء إفرازات أوسلو ومدريد وما نجم عن تجميد دور منظمة التحرير الفلسطينية. فالواجب إذن أن يتفّق الفلسطينيون بكل أطيافهم على مرجعية وطنية جديدة تحدّد الإطار الذي يتحرّك فيه المفاوض الفلسطيني.

6― المصداقية: مصداقية الجهة الراعية للتفاوض، أي الوسيط، أمر أساسي يحدّد نتيجة المفاوضات. وفي النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، تاريخ الولايات المتحدة وحاضرها الدموي ودعمها للأنظمة الاستبدادية الفاسدة المفسدة، خاصة في العالم الإسلامي، لا يجعلها مؤهلة للوساطة. كما أنّ سيرة توني بلير لا تخوّله للقيام بهذا الدور. فالواجب إذن أن يبحث الجانب الفلسطيني عن فاعلين جدد أكثر مصداقية يقترحهم للانضمام إلى فريق الوساطة، أو ما يُسمى برباعية الاتحادات (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الروسي والأمم المتحدة)، ويمكن لدول مثل البرازيل وجنوب إفريقيا وتركيا أن تقوم بدور فاعل في هذا المجال.

7― التجرّد: تجرّد الجهة الراعية للتفاوض من أيّ مصلحة ذاتية قد تنبثق عن التفاوض وعدم انحيازها لطرف من الأطراف أمر أساسي أيضا. وانحياز الولايات المتحدة لإسرائيل وتداخل مصالحها في المنطقة مع مصالح بعض الأطراف المتفاوضة يكرّس عدم أهليتها للقيام بدور الوسيط، ويؤكّد ضرورة البحث عن بدائل للوساطة متجرّدة وغير منحازة.

8― الإبداع: القدرة على الإبداع لدى المتفاوضين ولدى الجهة الراعية للتفاوض ضرورية لاقتراح حلول مبتكرة لتجاوز النزاع وتحويله وتخيّل واقع جديد تشعر فيه جميع الأطراف أنها ضمنت مصالحها المشروعة. والملاحظ في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي أنّ الجميع أسير طرحين لا ثالث لهما: فهناك أغلبية تساند “حلّ الدولتين” الذي أصبح مع الزمن عبثيا، فالدولة الفلسطينية بتركيبتها الجغرافية وهيكلتها الاقتصادية المطروحة حاليا غير صالحة للبقاء، وهناك أقلية تفضّل “حلّ الدولة الواحدة” الديمقراطية التي تتّسع للجميع بغضّ النظر عن العرق والدين والانتماء السياسي، إلا أنّ هذا الحلّ يجد معارضة شديدة من الجانب الإسرائيلي الذي يؤمن بمبدأ الدولة اليهودية ويعمل على تكريسه. فالواجب إذن فتح آفاق النقاش لطروحات أخرى لن تتبلور إلا في جوّ إبداعي تتوفّر فيه الشروط السبعة السابقة.

نستخلص إذن مما سبق أنّ المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية الجارية عبثية لأنّ شروط نجاحها غير متوفّرة حاليا، ولتحقيقها يتعيّن مراجعة العديد من المسائل التي تؤثّر مباشرة على مسار التفاوض. أضف إلى ذلك أنّ النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي أكثر استعصاء من أن يُحلّ بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية حصرا. فأبعاده التاريخية والجغرافية والثقافية والدينية والجيوستراتيجية تجعل حلّه مرهونا بموازين القوى الإقليمية والدولية. وتكمن هنا أهمية الدور الفاعل للعالم العربي الغائب رسميا والمغيّب شعبيا. إنّ مفاتيح حلّ النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي ليست في تلّ أبيب أو رام الله وغزة، وليست حتى في واشنطن أو بروكسل، بل هي في العواصم العربية المهزومة، ولن يُفضّ هذا النزاع حتى يتحرّر الإنسان العربي، ويصبح بذلك للعالم العربي صوت مسموع في المحافل العالمية ودور مؤثّر على الساحة الدولية.

عباس عروة
3 أكتوبر 2010

المصدر: الجزيرة نت