انتصر النظام في الجزائر. لا يزال “مسيطرًا” على الوضع. كيف يمكن الجزم بذلك؟ قد يسأل سائل. لكن ليس من المهم الجواب عن هذا السؤال الآن، لأنّ واقع الأمر يثبت أنّ السلطة المتحكّمة لا تزال سيدة الموقف، وهذا خلاصة الأمر وأهمّ ما فيه.

قد يكون محقًّا من يعتبر أنّ هذا التقييم غير دقيق، لكن تقدير أنّ السلطة قد “انتصرت”، يعود بالأساس إلى الصورة التي تبدو جلية للعَيان وتتبادر إلى الأذهان، ونحن نشاهد “صمود” النظام في الجزائر، في وجه موجات الاحتجاجات الشعبية المتواصلة، التي انطلقت في البلد ابتداء من يناير 2011، حتى قبيل انطلاقة موجات الغضب في الوطن العربي. وإنّ هذا “الصمود” يفرض نفسه بشكل أكثر إلحاحا في ضوء ما تشهده الساحة العربية التي أطاحت بنظامين شموليين وتوشك أن تلحق بهما اثنين آخرين على الأقل في القريب المنظور.

أجل قد تختلف القراءات، بين من يعتقد أنّ هذا النظام قد انتصر بالفعل (على من؟ قد يتساءل البعض) بحيث لم يترك رطبًا ولا يابسًا، فحوّل البلد صحراء قاحلة عقيمة، ليس من الناحية المادية الاقتصادية فحسب، بل على كافة الأصعدة، السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية، فقد أطاح بكل الجبهات أو يوشك. وهناك من يرفض هذا التقييم، ويعتبر أنّ النظام متهالك وفي طريقه إلى الأفول، ليس بفعل معارضين يتصدّون له، ولكنه اندثار طبيعي سنني بمفهومه البيولوجي. لكن بين هذا وذاك، فالمؤكد أنه انطلاقا من “فلسفة” النظام ومفهومه للانتصار، الذي يتلخّص في بقائه “يتحكّم”، لا يستطيع أحد نكران أنه قد انتصر فعلا. كيف ذلك؟

– أوّلا انتصر على فكرة وطموح التغيير من أصله، رغم وجوده في نفوس أغلبية الشعب الجزائري الذي سئم الوضع القائم من فساد متعدّد الأبعاد، ولدى الطبقة السياسة غير المصطنعة. لقد كسرت السلطة هذا الطموح، مشهرة بعبع الحرب الأهلية وصور الدمار والفوضى الدموية خلال عشرية التسعينات، تهدّد بها الملأ وتحذرهم من مغبّة أية محاولة للسير في طريق التغيير الشعبي، المفضي لا محالة “في تهديدها” إلى إعادة البلد إلى انفلات أمني وعدم استقرار وإلى تضييع نعيم السلم المدني الذي تحقّق بعد سنوات الدمار. والحالة هذه، ماذا ننتظر ممّن زرع في عقولهم، عبر الحرب النفسية المتوطّنة، أنّ الخَيار محصور فقط بين الاستقرار أو الفوضى؟ ذلك كان تحايل النظام على الجزائريين واستغلاله مأساتهم عندما أقنعهم أنه ليس ثمّة طريق ثالث يمكن أن يؤدّي إلى تغيير سلمي، وقد سخّر النظام في نشر أكاذيبه، روافده الطبيعية، بحيث جعلوا كثيرا من الناس يفضّلون علنيّة ظلم النظام وعيشة الذلّ والهوان على “خطر” التغيير؛

– أجل لقد انتصر على كل شيء أو يكاد، انتصر على الدولة وأركانها المتعارف عليها، بحيث لم يعد لمؤسساتها أيّ دور أو وزن بل أضحت هياكل كأعجاز نخل خاوية، عبارة عن غرف للتسجيل والاسترزاق، ونوع من شاهد الزور؛

– انتصر على مجالسها المنتخبة التي تحوّلت إلى عزب لممتلكيها يتصرّفون فيها كيف يشاء من عيّنهم فيها دون أدنى حظّ لصوت الشعب فيها، فهجر البلد “حارقا” خلف البحار مفضّلا خطر موت محدق على موت مؤكد؛

– انتصر على الاقتصاد، فحوّله بازارات تسيطر عليها الحيتان الكبرى، يتقاسمون فيما بينهم التركة في ظل إفلاس تامّ لدواليب الاقتصاد الحقيقي وآلياته المتناثرة، وهل ثمّة في البلد من يجهل أنّ اقتصاد الجزائر لا زال بعد نصف قرن من الاستقلال يعتمد في تسيير شؤونه على ريع المحرقات التي تشكل 99 في المائة من موارد البلد، بل ولا يخجل ساسة البلد، إذ يقدّمون الفائض من العملة التي يزخر بها البلد حاليا، كدليل على حكمهم الرشيد وحنكتهم في التسيير، في حين يعلم العامّ والخاصّ أنّ هذه البحبوحة من العملة الصعبة تعود بالأساس إلى ارتفاع سعر النفط، الذي تجاوز 100 دولار أمريكي؛

– انتصر عندما رسّخ في الأذهان، أنّ “العمل السياسي” لغير من يرتضيهم، هو عمل ممقوت في جوهره، ومتّهم صاحبه بالتخريب والعمالة، فجعل منه ومن جميع أصناف العمل المنظّم، رجسًا يُستعاذ من شرّه وإرهابًا وخيانة يجب محاربتهما (مجرد مثال ليس إلا، لاحظوا أنه ردًّا على إضراب الأطباء المقيمين، بادر النظام إلى مضاعفة راتبهم، لكنه منعهم من الحق النقابي! أي رشوة الأطبّاء بدلًا من السماح لهم بحقهم المشروع في التنظيم!)؛

– انتصر على العلم والتعلّم بحيث تدحرجت أهميتهما إلى أسفل سافلين لدرجة أصبحت تحتلّ الجامعة (ناهيك عن المدرسة) المراتب الأخيرة (حتى بين الدول العربية والإفريقية). وقد احتلّت الجزائر هذه السنة، بعد غياب دام عقد من الزمان، المرتبة الأخير، أي 154، في المسابقة العالمية في الرياضيات التي تنظّم كل سنة! مجرّد مؤشر على هذا النوع من الانتصار الذي لا تخطئه الأبصار؛

– انتصر على الانضباط وروح المسؤولية والمساءلة، حتى جعل البلد تحتلّ بجدارة واستحقاق الصفوف الأخيرة أو ما قبل الأخيرة في جميع التصنيفات التي أجريت في مجال التسيير، من قِبل المنظمات المعنيّة بالحكم الرشيد وبالشفافية.

مجمل القول، لقد انتصر النظام على السياسة التي لم تعد تعبّئ الجماهير، وعلى المجتمع الذي لم يعد قادرًا على تنظيم صفوفه وعلى الحكومة التي لم تعد تحكم، وعلى القانون الذي لم يعد يسود. لقد انتصر النظام على كل ما من شأنه حماية المجتمع. أنتصر على المؤسسات ذات المصداقية، أطاح بالحياة السياسة المحترمة، هزم اقتصاد تحكمه القوانين، تفوّق على دولة القانون، كسر شوكة الحريات المدنية، وفكّك أوصال مجتمع مدني قوي فجعله تابعًا، وحال دون قيام استشارة شعبية تتمخّض عن منتخبين يحظون بثقة حقيقية من الناخبين، ودجّن جهاز عدالة حتى أصبح غرفة تابعة له، تأتمر بأوامره. هذا هو نوع الانتصار الذي حققه النظام.

لكن في مقابل هذا الانتصار، متعدّد الأوجه، فالصورة للواقع المعيش قاتمة إلى أبعد حدّ. فالبلد أصبح منهكًا على كافة الأصعدة، يتهاوى أمام أعين الناس. ويعود الجزء الأعظم من هذا الفشل المؤسّسي، بالدرجة الأولى لهذا الانتصار بالذات، حيث لم يعد النظام يجد أمامه “منافسين” قادرين على مواجهة حيله ومراوغاته، أو الصمود أمام تهديداته، ووعوده الكاذبة، ووجد نفسه يصول ويجول في ظل انسحاب كلّي من قِبل طاقات المجتمع الحية، التي تدّعي الرغبة في التغيير.

والأخطر من ذلك، أنّ هذا النظام يبدو وكأنه لا يدرك، ربما بفعل نشوة هذا الانتصار الذي لم يكن يتصوّره، أنّ هشاشة المجتمع المنسحب، تؤدّي في النهاية إلى إضعاف “انتصاره”، بحيث لا أحد يعلم أين سيفضي انسحاب المواطنين، الذين تتقاذفهم مشاعر الغضب واليأس، ويحملون جراح مؤلمة ومزمنة تنذر بعواقب غير محسوبة.

هل نحن على مشارف تسونامي جماهيري، يلوح في الأفق بل ويدق أبوابنا، على الرغم مما يبدو من اللامبالاة بشتّى أشكالها، وحالات الاكتئاب الجماعي، والاستقالات وخيبات الأمل؟ هل تكون السلطة من شدّة حرصها وإجهادها على وأد كافة أشكال الاحتجاجات في المهد والثورات في بيضتها، وصدّ كل رياح التعبير السلمية المطالبة بالحرية، قد عبّدت في نهاية المطاف الطريق أمام ولادة حركات معدّلة جينيا لا يمكن السيطرة عليها أساسا؟

في الأخير، قلت انتصر النظام في الجزائر على كل شيء، أو يكاد، لأنه في واقع الأمر لم ولن ينتصر على “عقبة” كأداء واحدة، وعبثًا يحاول، لأنه ببساطة، لا يمكنه ولا لغيره الانتصار على سنن الكون في التغيير التي لا تعرف تبديلًا ولا تحويلًا. ويبقى أمامه، طبقًا لهذه السنن الأزلية، أن ينتصر على آخر “عدوّ” وهو الانتصار على الذات، إيذانًا بزواله بعد فقدان كلّ مبررات بقائه.

رشيد زياني-شريف
عضو مكتب حركة رشاد
5 جويلية 2011