عاشت جزيرة العرب لزمن طويل تحت أنواع من العصبية على أساس العرق العربي والقبيلة والعشيرة، إلخ. وكان ذلك سببًا للعديد من الحروب الطويلة المنهكة. وفي سنة 610 للميلاد نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلّم، وقد بلغ سنّ الأربعين، أولى آيات القرآن الكريم الذي جاء متحدّيًا للنظام الاجتماعي والسياسي القائم. فتحوّلت العصبية إلى أخوّة في إطار الأمة الإسلامية وهي تجمّع بشري تربط بين أعضائه مجموعة من القيم. فانضم جلّ العرب إلى هذا الانتماء الجديد للأمة (matriotism) القائم على تعاليم دينية ترى أنه “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى”، فتراجعت مفاهيم الدم والعرق واللون والجنس الخ، ليحلّ محلّها مبدأ وحدة المصدر والمصير وقيم الحرية والعدل والإحسان و فوق ذلك كلّه الرحمة.

قاد الرسول الأكرم الأمة الإسلامية أزيد من عقدين من الزمن ومن بعده الخلفاء الراشدون، لكن بعد ثلاثة عقود فقط من وفاته صلى الله عليه وسلّم في سنة 661 للميلاد، انتُهكت المبادئ التي جاء بها وأُفسد النظام السياسي، وعاد القوم إلى عصبيتهم الأولى، وبدأ انحدار المجتمع الإسلامي. وإن استمرّت الخلافة بشكل صوري لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فإنّ الأمة في الواقع تفتّت مبكّرًا إلى كيانات سياسية-عسكرية قِوامها الاستبداد والفساد، فأصابها الوهن، مما فتح الباب على مصراعيه لمختلف أنواع العدوان الخارجي. وبحلول القرن التاسع عشر الميلادي كانت القابلية للاستعمار – على حدّ تعبير المفكّر مالك بن نبي – قد تفشّت واستفحلت في جسد الأمة المريض ممّا يسّر مهمّة المحتلّ. وفي سنة 1924 أُنهِيت آخر حلقات الخلافة التي كانت آنذاك تحت لواء العثمانيين.

وبعد الاستقلال السياسي للعديد من الدول المستعمرة قامت النخب السياسية-العسكرية في العالم الإسلامي باستيراد نموذج الدولة القومية العلمانية وبفرضه على شعوبها. فوُلدت حينها عصبية جديدة على أساس العرق (قومية) تمثّلت في العروبة والطورانية والفارسية وغيرها، ممّا أدى بدوره، كردّ فعل طبيعي، إلى بروز عصبية الأقليّات من كردية وبربرية وغيرها.

ونشأت مع الزمن عدة منظمات إقليمية في فضاء الأمة الإسلامية الجغرافي الممتدّ من غرب إفريقيا إلى شرق آسيا الأقصى. وأعرقُ هذه المنظمات هي جامعة الدول العربية التي تضم حاليًا 22 دولة عضوًا والتي تأسّست في 22 مارس 1945، أي سبعة أشهر قبل ولادة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر من نفس السنة، لـ”دعم النمو الاقتصادي في المنطقة وفضّ الخلاف بين الأعضاء والتنسيق في المجال السياسي”، غير أنه بعد 66 سنة من نشأتها لم تحقّق الجامعة لا السلم ولا الازدهار للعالم العربي، لأنها قُوّضت من جرّاء عصبيات أنظمة دولها الأعضاء وتناقض غاياتهم وبسبب التدخّل الخارجي والنفوذ الأجنبي. وكان الجهاز الوحيد الفعّال فيها هو مجلس وزراء الداخلية العرب الذي ينسّق بين سياساتهم القمعية.

وفي 25 سبتمبر 1969 تأسّست منظمة إقليمية أكبر حجمًا من طرف قادة عدد من الدول الإسلامية أثناء انعقاد مؤتمر في مدينة الرباط، بغاية حماية مصالح الأمة الإسلامية. وكان ذلك ردًّا سياسيًا على إحراق داخل المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969 من طرف دينس مايكل روهان. كانت غاية الكثير آنذاك تسميتها “منظمة الدول الإسلامية” (Organization of Islamic Countries – OIC)، لكن وجود بعض الدول ذات الأقليات غير المسلمة الكبيرة حال دون ذلك، فأبقى المجتمعون على شعار الـ”OIC”، لكن حرف الـ”C” لم يعد يرمز إلى “الدول – Countries” بل إلى “المؤتمر – Conference” في إشارة إلى قمة الرباط، فنشأت بذلك “منظمة المؤتمر الإسلامي” (Organization of Islamic Conference – OIC).

بعد 42 عامًا من نشأتها، وخلال الدورة الـ38 لمجلس وزراء الخارجية للمنظمة الذي انعقد في 28 يونيو 2011 في أستانة عاصمة كازاخستان، قرّرت الدول الأعضاء تغيير اسم المنظمة إلى “منظمة التعاون الإسلامي” (Organization for Islamic Cooperation). فتمّ الإبقاء على شعار الـ”OIC” لكن حرف الـ”C” أصبح الآن يشير إلى “التعاون – Cooperation”. وحسب بيان صحفي نشرته المنظمة فإنّ “القرار الجديد يعكس تحوّلًا نوعيًّا في أداء المنظمة وتحسّنًا هائلًا في فعاليتها كمنظمة دولية تنشط في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.

إنّ منظمة التعاون الإسلامي بأعضائها الـ57 المنتشرين في القارات الأربعة تُعتبر ثاني أكبر منظمة بين دولية بعد منظمة الأمم المتحدة ولا بد أن يكون لها في المستقبل صوت مسموع ودور فاعل في عالم مُعَوْلَم مُهَيْكَل أكثر فأكثر حول التكتّلات الإقليمية. وبحصوله على أكبر قسط من الحرية والرفاهية فإنّ جمهور المنظمة الذي يبلغ تعداده 1.6 بليون نسمة سيقوم حتمًا بدفع المنظمة إلى مزيد من التكامل الاقتصادي، بل وحتى الاندماج السياسي. ورغم معارضة قوى الامبريالية والاستعمار الجديد فإنّ ذلك سيؤدّي لا محالة إلى نشأة “منظمة المجموعة الإسلامية” (Organization of Islamic Community)، حيث يتمّ الإبقاء على شعار الـ”OIC” لكن حرف الـ”C” سيرمز حينها إلى “المجموعة – Community”. وستكون منظمة المجموعة الإسلامية شكلًا جديدًا لنموذج “الأمة-الخلافة” يتلاءم مع القرن الواحد والعشرين.

هل ستؤسّس منظمة المجموعة الإسلامية لفضاء داخلي سلمي (دار الإسلام)؟ لِما لا؟ فاتحاد المجموعة الأوروبية مثلا هو أيضًا مبنيّ على تحريم الحروب الداخلية بين أعضائه. هل سترى منظمة المجموعة الإسلامية كلّ ما هو خارج فضائها ميدانًا للنزاع العنيف (دار الحرب)، كما يزعم البعض؟ قطعًا لا، فهناك مجال واسع للتعايش مع الغير على مبدأ المسالمة والاحترام المتبادل والتوافق (دار العهد)، وهذه هي العلاقة السليمة التي ستربط بين منظمة المجموعة الإسلامية والتكتّلات الإقليمية الأخرى كاتحاد المجموعة الأوروبية وغيره. لن تكون المجموعة الإسلامية كيانا عصبيًّا مبنيًّا على العداء للغير بل فضاء منفتحًا قائمًا على قاعدة: الـ”C” في الداخل، والـ”C” في الخارج، أي تعزيز (Consolidation) الوحدة الإسلامية والتعاون (Cooperation) مع الغير فيما يخدم السلم والرفاهية للإنسانية جمعاء.

إنّ منظمة التعاون الإسلامي ستطرح تحدّيا ضخمًا لنظام الأمم المتحدة، فحاليًا أربعة من الأعضاء الدائمين الخمس في مجلس الأمن نصارى (أنجيلي وأنجليكاني وكاثوليكي-علماني وأرثوذوكسي) والخامس طاوي-كنفوشيوسي-بوذي. ويغيب الصوت المسلم رغم أنّ جمهور منظمة التعاون الإسلامي يفوق غيرها عددًا بما في ذلك الصين. وهذا ليس ظلمًا فحسب إذا اعتبرنا أنّ الحدود التي فتّتت العالم الإسلامي هي من صنيع القوى الغربية الممثّلة في مجلس الأمن، وإنما يجعل أيضًا كلّ قرار لهذا المجلس، بتشكيلته الحالية، ضد أيّ دولة إسلامية غير شرعي. إنّ حقّ نقض إسلامي في مجلس الأمن لو وُجِد منذ البداية لكان بإمكانه إنقاذ عدد هائل من الأرواح البشرية، وإنقاذ الولايات المتحدة والغرب من سياسات حمقاء. وإنّ إعادة النظر في تشكيلة مجلس الأمن وتخصيص مقعد لمنظمة التعاون الإسلامي – ومقعد للاتحاد الأوروبي عِوض مقعدين لدولتين من أعضائه – شرط أساسي لتحقيق شيء من التوازن داخل منظمة الأمم المتحدة والإضفاء عليها بقدر من الشرعية والمصداقية هي في أمسّ الحاجة إليهما.

عباس عروة و يوهان غالتونغ
18 يوليو 2011