صُدِم الشعب الجزائري مؤخرا بخبرين خطيرين ووقف مشدوهًا أمام مشهَدين أقرب إلى السريالية، أولهما استصدار النظام بنود من الدستور يقصي بموجبها فئة عريضة من الشعب الجزائري ويحرمها من حقها المشروع، والثاني، مشهد مهين جعل كل مواطن غيور على بلده وكرامته يشعر بالغثيان، أمام “جلوس” ممثل الدبلوماسية الجزائري، ذليلًا أمام لجنة برلمانية فرنسية، يطلعها بخبر مراجعة الدستور، أو لِنَقُلْ يرفع إليها تقريرًا يتضمن خبرًا كان أولى أن يقدّمه أمام مواطنيه، في انتهاك صارخ ليس لسيادة البلد فحسب بل لكرامة المواطن واستقلالية قراراته.

وللوقوف على درجة سقوط سياسة الجزائر الخارجية، أنقلُ شطرًا مخزيًا ممّا قاله السيد مدلسي لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان… الفرنسي: “بعد مغادرة التراب الفرنسي متوجّها إلى بروكسيل، سأقول لأصدقائنا في بروكسيل إنه لا يوجد أوروبيون أكثر من الجزائريين، ولو كان التاريخ مختلفًا لكنّا بلدًا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي”، ثم تابع “إلى غاية معاهدة روما كنّا لا نزال فرنسيين وهذه حقيقة تاريخية”!

إذا تجاوزنا أثر الصدمة وروع المشهد المثير للحنق، هل يمكن اعتبار هذين الخبرين مفاجآن للمواطن الجزائري؟ أعتقد جازما أنّ المواطن المنتهكة مواطنته في كل أبعادها، منذ عقود من الزمن لا يرى في ذلك أيّ جديد أو غرابة، لأنّ الإقصاء طبقٌ يوميٌّ يتجرّعه منذ استقلال البلد، وإن كان بنكهات مختلفة حسب الظروف، أما رهن سيادته وقراراته بالخارج، فرنسا تحديدًا، فتلك قاعدة متبعة من قِبَل العصابة المتحكّمة في مصير البلد، وما وقوف السيد مدلسي جلسة الهوان والاسترقاق أمام سيّد الأمس، إلا مشهد فاضح مستفز لواقع قديم، لم يتغيّر على مرّ العقود.

يبدو أنّ نتائج الانتخابات الأخيرة في كلٍّ من تونس ومصر والمغرب كانت وراء استصدار قرار الإقصاء، حيث زرعت بذور الرعب في أوصال النظام والدائرين في فلكه من شدة وهول ما قد ينجم على تجربة مماثلة في البلد، غير أنّ هذا القرار القاضي بإقصاء “دستوريا” فئة عريضة من الشعب الجزائري وحرمانها من التصويت والترشيح للمساهمة في تحديد مصير بلدهم، بالإضافة إلى كونه غير دستوري وغير شرعي وغير أخلاقي، سيجلب معه لا محالة ويلات لبلد هو في غنى عنها ويزيد من حالة الاحتقان.

وبدلا من الاتعاظ بدروس “الربيع العربي”، واغتنام الفرصة السانحة من أجل تصحيح الوضع قبل فوات الأوان حيث يستحيل عليه يومئذ إنقاذ نفسه، مثلما حاول مبارك وبن علي وصالح دون جدوى، آثار هذا النظام السير عكس التيار للدفع بالبلد إلى مزيد من التأزّم، وعمد هو والأحزاب المؤلفة له أو المتآلفة معه، على نشر المغالطات تبريرًا للجمود السائد، منها أنّ الجزائر لها خصوصيتها، وليست في حاجة إلى ثورة، لأنها كانت سبّاقة في هذا المجال، حيث “صنعت” ثورتها قبل أكثر من عقدين (اكتوبر88)، وأحدثت إصلاحاتها من خلال الانفتاح الديموقراطي، الذي توّج بدستور 1989.

لكن هذه التبريرات أقرب ما تكون إلى نصف الحقائق، أو أنها تتستّر على أهمّ جزء من الحقيقة، وهي أنّ ثورة أكتوبر 88 قد أخمدتها السلطة العسكرية، تحت أوامر الجنرال نزار شخصيا (باعترافه هو) وذهب ضحيتها أكثر من 500 قتيل، أما الانفتاح الديموقراطي فلم يعمّر طويلًا وانتهى بشكل دامٍ من خلال انقلاب 1992، وإجهاض خيار الشعب المعبّر عنه في انتخابات 1991، التي رسّخ الشعب من خلالها القطيعة مع النظام العسكري المافياوي، وكشف الحجم الحقيقي لكافة القوى الطفيلية الحزبية بمختلف مشاربها التي أنتجتها المخابرات لأغراض انتخابية.

ولم تنس هذه الأحزاب المستنسخة تلك التجربة المريرة وهو ما يفسّر حقدها الدفين على كلّ ما له صلة بالشعب وخياره المستقلّ، وتحالفها القائم على المصلحة المشتركة، السبيل الوحيد الذي فسح لها ولا يزال حتى الآن، المجال للظفر بمقاعد لم تحصل عليها بشكل ديموقراطي، ممّا يفسّر أيضا كافة مواقفها المتعاقبة المؤيدة لإقصاء الممثلين الحقيقيين للشعب، على غرار مناهضتها مبادرة 1995 التي جمعت مختلف القوى الممثلة للشعب الجزائري، في روما من أجل الخروج من الأزمة، فالتحقت هذه الأطراف بمعزوفة النظام العسكري في اتهامها أصحاب المبادرة بالخيانة والارتهان للكنسية، في إشارة إلى منظمة سانت إجيديو التي ساهمت في المبادرة.

يمكن إذن اعتبار نتائج انتخابات الدول المجاورة، فضلًا عن كونها قذفت الرعب في نفوس السلطة وتوابعها، أنها “سرّعت” من عملية دسترة الإقصاء لضبط الأمور حتى قبل إجراء أيّ انتخابات مقبلة، مفضّلة حسم الأمور من المنبع.

إنّ أسلوب تعامل النظام الجزائري لم يتغيّر في جوهره، فمنذ تجربة 26 ديسمبر 1991، ونتائج تلك الانتخابات التاريخية، بات واضحًا أنّ النظام القائم قد حسم أمره وقرّر أن لن يرتكب حماقة من جديد، ولن يغامر مرّة أخرى في ترك الأمور على عواهنها، وأنه مستعدّ لاتخاذ كافة التدابير التي من شأنها ضبط الأمور بإحكام، أقصى ما يجود به لن يتجاوز إدخال لمسات تجميلية على المشهد.

وسبب اتخاذه هذا القرار الأخير، خطورة العودة إلى مغامرة انتخابية غير مضمونة العواقب، كالتي كشفت عورته، وفقدان الدائرين في فلكه الشرعية في حكم البلد. وآخذًا في الحسبان ذلك المأزق الذي تسبّبت فيه تجربة ديسمبر 1991، “أقسم اليمين” على عدم الوقوع ثانية في ذات المأزق، مهما تغيرت الأوضاع ومهما حاول البعض إقناعه بضرورة فتح المجال التعدّدي الحقيقي، خاصة في ضوء تغير المشهد الدولي والإقليمي، ولسان حاله يقول مهما كانت المخاطر التي يمكن أن تنجم عن تمسّكه بالحكم، فهي ضئيلة مقارنة بما ينتظره، لأنّ البديل في نظره معناه نهايته المروعة الحتمية، إنْ قرر معاودة التجربة التي حتّمت عليه قبل عقدين تنفيذ انقلاب لازال البلد يعيش على وقعه. ومن هذا المنطلق، يتبيّن أّنّ كلّ المراوغات والتسويفات والتبريرات المقدمة من قِبَل الحكومات المتعاقبة، تندرج ضمن التقييم الذي خلصت إليه جماعة الجنرال مدين، والذي يفسّر إصرارهم على تسيير شؤون البلد، في ازدراء تام لطموحات الشعب الجزائري، وتجاهل كلي لنصائح القريب والبعيد.

وكان آخر ما ابتكرته مخابرهم، عبارة عن وصفة استباقية من وصفات التزوير عن طريق “إقصاء” البعبع الذي يشكّل هاجسهم، أقصد قادة ورموز الحزب الذي حاز على ثقة فئة عريضة من الشعب، علمًا أنهم سبق وأن قاموا قبل قرابة عقدين من الزمن بحلّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ “إداريا”، أثناء محاكمة صورية بأوامر عسكرية، ورغم ذلك لم يكفِ “الحل” الإداري، ولم يخفف من روعهم، فعمدوا إلى دسترة الحظر، تحضيرا لخريطة متوقّعة، يخلو فيها الجوّ لمنافسة محسومة سلفًا تقوم على توزيع الحصص، بناء على درجة ولاء ووفاء أطراف مستفيدة ومشاركة أيضا في إقصاء “المارد” خاصة وأنّ هذه الأطراف بكافة “أيديولوجيتها” الوطنية والإسلامية والحداثية، تدرك حجمها الحقيق وسط المواطنين. بعبارة أدقّ، يمكن القول أنّ التزكية في الجزائر تتمّ على مستويين، داخليًا، أحزاب الحصص تلتمس مباركة وإكراميات ساسة النظام الفعلي، وهذا الأخير يلتمس بدوره التزكية من صاحب القرار في الإليزية أو غيره من العواصم الغربية، في صورة ممثّل الدبلوماسية الجزائرية أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان… الفرنسي.

هذه الخطوة الأخيرة، دسترة الإقصاء، جاءت أيضًا لتميط اللثام عن تلك الوسيلة المخادعة التي اتخذها النظام لتدعيم حكمه باسم قانون السلم والمصالحة، ولنا أن نتساءل كيف يمكن تسمية إجراء بالمصالحة، إذا كان هذا الإجراء يكرّس الظلم ويحرم ملايين من الجزائريين من ممارسة حقهم الشرعي في المشاركة في تحديد مصير بلادهم، دون اللجوء إلى العدالة، لتنكشف نوايا هذا النظام، الذي أبان أنّ تلك المصالحة لم تعدُ كونها خديعة لتبرئة الانقلابيين وتبييض صحيفتهم الإجرامية ورفعهم إلى مصاف المنقذين، من خلال “استفتاء شعبي” يحظر بموجبه على أية جهة، متابعة قضائيا أيّ من ساسة السلطة مهما كانت التهم والأدلة الثابتة ضدهم، لكن في المقابل، عمد السيد بوتفليقة على تسخير هذه المصالحة لصالحه، كورقة يقايض بها جنرالات الانقلاب، من خلال ممارسة ضغوط مبطنة لكي يتركوا له المجال واسعًا لإدارة دفة الحكم، وإلا كان مصيرهم المحكمة الجنائية الدولية.

إلى جانب ما سلف ذكره، ثمّة عدد من الملاحظات يمكن استخلاصها من هذا القرار الأخير، منها على وجه الخصوص:

– عكس ما يروّج له النظام، فإنّ أكبر دليل على أنّ أصحاب المشروع الإسلامي من غير متقاسمي بيت الطاعة، ولا الذين يعزم النظام تفريخهم تحضيرًا لانتخابات فبراير 2012 وانسجامًا مع موضة العصر في إضفاء الطابع الإسلامي على الحكومة المقبلة، أسوة بدول الجوار، لا زالوا يشكلون الرقم الصعب، ووجودهم في الميدان يُرعب هذه السلطة التي رغم محاولاتها العديدة الرامية إلى شيطنتهم سبيلًا للقضاء عليهم، تدرك إدراكا تامًّا أنهم سيحصلون على أغلبية ثقة الشعب، وهو ما جعلها تقنن إقصائهم من خلال استصدار مواد في الدستور.

– كيف لبرلمان فاقد للشرعية وحكومة ممثّلة لنظام انقلابي، أن يخوّلا لنفسيهما حقّ سنّ قانون باسم الشعب ليقصى فئة عريضة من الشعب، ويحرم من منحهم الشعب ثقة أكثر من 3 ملايين مواطن، أي ما يعادل 47% من عدد المصوتين يوم ذاك، حقّ العمل السياسي المشروع؟ هل يدرك هؤلاء خطورة ما هم مقدمون عليه؟ من نافلة القول أنّ القرار لم يصدر لا من وزير الداخلية ولا من البرلمان، كونهما مجرّد منفذين لهذه الأوامر. وأكبر دليل على طبيعة الوظيفة المعينين من أجلها، في حين يفترض فيهم تمثيل الشعب والدفاع عن مصالحه، تصويت أفراد هذا البرلمان، لصالح كل ما يطرح عليهم من قرارات، وما تأييدهم لتمديد عهدة الرئيس، بما يخالف نص الدستور، 24 ساعة بعد مضاعفة مرتّبهم، إلا مؤشّر على حقيقة هذا البرلمان، والأحزاب المكوّنة له، وهم في واقع الأمر بتمديدهم لرئيس يحتضر سياسيًا بل وحتى صحيًا، فهم يمدّدون لأنفسهم، كونهم يدركون أنّ الفرصة الوحيدة التي تضمن لهم البقاء في البرلمان، تمرّ عبر إقصاء الممثلين الحقيقيين للشعب.

– بمثل هذه الخطوة تتّضح جليا حقيقة التغيير الموعود، الذي ما فتئت هذه السلطة تبشّر به الشعب، بزعمها أنّ ما تقوم به من إصلاحات نابع عن إرادة ذاتية بعيدًا عن الضغوط الخارجية، بحيث يندرج ضمن هذا التغيير المبشّر به، ما أعلن عنه أمين عام جبهة التحرير السيد بلخادم عن نية ترشيح فخامة الرئيس لعهدة رابعة، وذلك 20 شهرًا قبل انتهاء العهدة الثالثة لرئيس بالكاد يراه المواطن، وتذهب كل القراءات على وضعه الصحي الحرج الذي يرجح عدم قدرته على إتمام العهدة الحالية، ناهيك عن التمديد.

لا شك أنّ هذا الأسلوب في إدارة شؤون البلد، وما نجم عنه من قرارات، تصدّ طريق المشروعية، وتسير عكس التيار والمنطق ومصلحة الشعب قاطبة، سيُفتح الباب لمغامرة غير مضمونة العواقب. ومن شأن هذا التخبّط المركّب أن “يُطمئن” الناس على نكهة ربيع الديموقراطية في الجزائر، أوله دستور يقصي فئة واسعة من الشعب من حقوقها، بما يخالف كافة المواثيق الدولية والمحلّية وآخره تمديد من العمر الرئاسي لرئيس لا أحد يعلم، سوى الله، إن كانت عهدته الراهنة ستستمرّ إلى مداها، وبين هذا وذلك، دبلوماسية تمارس الدعارة السياسية علنًا في غرفة المستعمر الفرنسي بينما الشعب صاحب القرار يظلّ مغيّبا في وطنه في وقت تشهد بلدان العالم العربي عصر استكمال استقلالها واستعادة سيادتها وتحديد مصيرها!

رشيد زياني-شريف
13 ديسمبر 2011