شدّ انتباهي اليوم خبر قرأته في يومية “الخبر” نقله الصحفي عبد الحكيم فماز، مفاده أنّ وزير الشؤون الدينية والأوقاف بو عبد الله غلام الله كشف عن مشروع قانون لتنظيم لجان المساجد، وقال في تصريح للصحافة على هامش الملتقى الدولي حول ”مالك بن نبي واستشراف المستقبل” بكلية الطب لجامعة تلمسان، “أنّ هذا المشروع يتضمّن تسيير المساجد وتهيئتها لتكون مكان عبادة وتكوين وعلم وليس للعمل الخيري”، مضيفا “أنّ الجمعيات الدينية ستُحوّل من خلال هذا القانون إلى لجان مسجدية”. وهذا التصريح يدعو فِعلًا إلى الحزن على ما آلت إليه أوضاع الجزائر من تردّ، أصبح فيها الممسوخ ثقافيا يتكلّم في الدبلوماسية متملّقا للغير فيُهين كرامة شعب بأكمله، والمتفيقه المتزوّي يتكلّم في الدين بغير علم أو افتراءً فيقول شططا.

إنّ مالك بن نبي الذي شاركتَ في ملتقى خُصّص له، يا وزير الشؤون الدينية والأوقاف، لو كان حاضرًا وسمع ما تقول لباشر في تأليف رسالة أخرى عن سقوط رجال الدين في أوحال البوليتيك.

نتساءل من الذي أفتى لك بأنّ المسجد مكان عبادة وتكوين وعلم وليس مكانًا للعمل الخيري، فمنذ أسّس الرسول الأكرم (ص) أوّل مسجد في الإسلام لم يقل أحد بهذا القول الشاذّ؟ أهي فتوى أهل العلم الأحرار، أم هي قرار رؤسائك وآمريك من مغتصبي سلطة الشعب الذين يسعَون إلى التحكّم في كل صغيرة وكبيرة في حياة المواطن، أم هي نابعة عن التصوّر الفاسد للطرقية السلبية المُبعِدة للفرد عن هموم مجتمعه، وارثة سلفها من ركائز السياسة الاستعمارية في الجزائر؟

لِتعلم أنّ العمل الخيري واجب شرعيّ، منبثق من الرحمة، مبنيّ على الصدق والتجرّد، ملازم للإيمان والتقوى، مرتبط بالعبادة، وأنّ جزاءه عظيم في الدنيا والآخرة، وإن كان العمل الخيري في الإسلام ديني المنطلق، فهو ناسوتي المرمى لأنه لا يميّز بين ذوي الحاجات من الخَلق على أساس الدين. وإنّ الله عزّ وجلّ يربط قبول الصلاة بعمل الخير كما جاء في الحديث القدسي الشريف: “إنما أتقبّل الصلاة ممّن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب”، كما قال رسول الله (ص): “لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجة، أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين”.

ولتعلم أنّ أبواب الخير كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى تشمل الدعوة إلى الله، وإعانة الضعيف ومساعدة المحتاج وإغاثة المنكوب، ونصرة المظلوم، وإصلاح ذات البين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرفق بالحيوان، والعناية بمخلوقات الله الأخرى، وهي مجالات متكاملة تصبّ كلّها في إطار ما يُسمّى اليوم بالأمن البشري.

ولتعلم أنّ المسجد وإن لم يكن بمثابة جمعية خيرية متخصّصة بكلّ ما تتطلّبه هذه الأخيرة من خبرة فنية وإدارية وحقوقية وميدانية، فإنّه كان دومًا، ولا بدّ أن يبقى، القلب النابض للمجتمع المسلم الذي يتمّ فيه تشخيص حال الأمة وتُعرَضُ فيه مشاكلها وتُناقش، وتُطرح فيه المقترحات لحلّها وتُتخذ فيه المبادرات الخيّرة. إنه مركز العمل الخيري بجدارة. فلا خير في مسجد لا ينفتح للمجتمع بكل أطيافه من متديّنين وغير متديّنين، بل من مسلمين وغير مسلمين، ولا يهتمّ بقضاياهم ولا يفيدهم في قضاء حوائجهم. ولا خير في مسجد لا يبدي أهمية للعمل الإنساني، ولترقية حقوق الإنسان، ولحلّ الخلاف بين الأفراد والجماعات، وللممارسة المواطنية، ولحماية الحيوان، وللحفاظ على البيئة.

إنّ قانونك يا وزير الشؤون الدينية والأوقاف وجه جديد قديم من أوجه الاستبداد والتسلّط على رقاب العباد وهو عارٍ عن الشرعية على أكثر من وجه. إنه عارٍ عن الشرعية لأنه صدر عن نظام فاقد أصلًا للشرعية ببرلمانه وحكومته، وما بُني على باطل فهو باطل. وهو عارٍ عن الشرعية لأنه يتعارض مع الأعراف والقوانين الوطنية والدولية الأساسية التي تضمن للمواطنين حرية تشكيل الجمعيات، فهو ينوي تحويل جمعيات مستقلة عن السلطة إلى لجان تحت السيطرة الإدارية والتحكّم المالي والمراقبة والتوجيه من طرف وزارتكم التي لا مبرّر لوجودها أصلًا في مجتمع مسلم، والتي في حد ذاتها ليست إلا شذوذًا مؤسساتيًا ورثتموه عن الاستعمار، ونسخة رديئة من “مكتب شؤون الأنديجان” الذي وضعته سلطات الاحتلال من أجل تحكّم العسكر في الدين وترويضه واستغلاله لأهداف سلطوية، وضرب مؤسسة الأوقاف واحتكار العمل الخيري، بغية إضعاف المجتمع وتكريس تبعيته للنظام الحاكم.

وبناء عليه فإنّ مصير قانونك هو نفس مآل القوانين التي أصدرتها السلطة الاستعمارية في عهد الاحتلال: مزبلة التاريخ، وبئس المصير.

عباس عروة
13 ديسمبر 2011