يكاد المتبع للشأن الجزائري يعجز عن فهم تصرفات ومواقف النظام ورجاله الفاعلين، وفهم كنه ‘استراتيجيتهم’ في تسيير دفة الحكم، ففي الوقت الذي يسدون فيه كافة منافذ الحلول الحقيقية والتصدي للمعارضة السياسية الفاعلة واتهامها بأشنع النعوت والتظاهر بالتعددية الديمقراطية، تقوم ذات السلطة في المقابل بإهانة وازدراء الدائرين في فلكها، المتحالفين معها الذين يمدونها بالواجهة السياسة المفترضة، خاصة ‘البرلمانيين’، فلا يفوت هذا النظام فرصة إلا وأظهر استهتاره بهم في أشنع صورة. ومن جملة أساليب الاحتقار التي يعامل بها النظام حلفاءه، إمعانه في إهانتهم داخل قبة البرلمان، التي يسميها المواطن الجزائري مجلس بني وي وي (في إشارة إلى موافقتهم وتصديقهم على كل ما تعرضه الحكومة من قرارات، دون تحري أو اعتراض)، وما فتئ أعضاء الحكومة من الوزراء يرفضون الظهور أمام البرلمانيين، للرد على أسئلتهم واستفساراتهم ناهيك عن مساءلتهم، في الوقت الذي لا يرون فيه هؤلاء الوزراء أدنى حرج أو نقيصة في الرد على استدعاء يتسلمونه من لجن برلمانية لدول أجنبية، كما شهده الجزائريون بذهول، مثول وزير خارجية بلدهم أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، لإطلاعهم على الإصلاحات التي تهم الدولة إدخالها والرد على أسئلتهم.

وليست تلك بدعة من وزراء النظام، لأن السيد بوتفليقة كان أول من دشن هذا الأسلوب في التعامل مع سادة البرلمان، بمجرد تربعه على سدة الحكم بعد أن أتي به لإضفاء الطابع السياسي المدني الشرعي على نظام العسكر بعد أن قضى سنين عجاف في المنفى، فوقع تفضيله منذ ذلك الحين على النظام الرئاسي، معربا عن نفوره واشمئزازه من النظام البرلماني الذي يفرض رقابة على السلطة التنفيذية.

وللإشارة، فمن إنجازات ‘نواب الأمة’ في إطار مهامهم البرلمانية، طيلة ولايتهم، إجراء تحقيق واحد يتيم فيما عُرِف بالتحقيق في أحداث الزيت والسكر وما نجم عنه من نتائج مريبة، رغم الملفات الثقيلة والعديدة المطروحة أمامهم، السياسية والاقتصادية الاجتماعية، لكن بالمقابل كان أول ‘عمل’ قاموا به لصالح الأمة، صياغة والمصادقة على نص قرار يتعلق بمركز البرلماني، وذلك في شهر يناير 2008، أي أشهر قليلة بعد تنصيب هذا المجلس، القرار الذي منحوا بموجبه، لأنفسهم راتب ومزايا، مستفزة، تعتبر إهانة للشعب الذي يزعمون تمثيله.

وفي 12 نوفمبر 2008، تم استعداء البرلمان بغرفتيه، من قبل الرئيس بوتفليقة، للمصادقة على عدد من التعديلات على دستور 1996، وخاصة أو أساسا المادة 74 منه التي كــانت تنص على ولايتين رئاسيتين فقط، وجاء التصويت بالتمديد دون منازع: أغلبية ساحقة، في انتهاك صارخ للدستور من فبل من يفترض فيهم حماية الدستور.

وانطلاقا من هذه الرؤية، أصبحت جل وأهم قرارات الدولة تتم عبر مراسيم رئاسية بشكل روتيني، دون المرور على البرلمان، والأخطر من ذلك أننا نجد حتى من هؤلاء ‘البرلمانيين’ من يدافع عن هذا التوجه، بل ويستغيث بالرئيس، لحثه على التشريع من خلال المراسيم فهل نستغرب إذن أن يمعن الرئيس وحتى الوزراء في تجاهل وازدراء هكذا برلمان؟ فالرئيس بوتفليقة نفسه لم ‘ينزل’ يوما ضيفا على النواب، ولم يحدثهم ولا مرة في برلمانهم، دون أن يثير ذلك أي تساءل ناهيك عن انتقاد من السادة النواب. وكيف يمكن أن يتوقع المرء مثل هذه المواقف من فاقدي الشرعية، المعينين أصلا من قبل السلطة التي يدينون لها بكل شيء، فالرئيس إذن أول من يعلم أنهم لا ولن يجرأوا على مثل هذه ‘الحماقة’ التي تكلفهم فقدان الكثير من المزايا غير المشروعة، وبالتالي فإن معاملته لهم تأخذ في الحسبان انعدام شرعيتهم أولا بالإضافة إلى طبيعتهم الجشعة، وهو ما يفسر مبالغة النظام في إغراقهم في سيل من الإكراميات، مما يجعلهم يقدّمون ‘خدماتهم’ عن طواعية وسخاء، براتب يناهز ثلاثة مئة ألف دينار، فضلا عن غيرها من التعويضات، من الإيواء والطعام وفواتير التلفون وتذاكر الطائرة والقروض التي قد تصل إلى ثلاثة ملايين دينار. في ظل مثل هذه المعاملة التي أصبحوا مدمنين عليها، وغير قادرين على الانفكاك عنها، فهم على استعداد للقيام بما يملكون وما لا يملكون.

بعد هذا يحق للمرء أن يتساءل، هل لسقوط ‘البرلمانيين’ في الجزائر من حد؟ هل لبئر الرذيلة من قاع؟ هل فقد ‘ممثلو’ الأمة كل مقومات الشرف، والنزر القليل من الحياء؟ لكن متى كان للحياء والشرف قيمة واعتبار بالنسبة لمن هانت عليه نفسه، فهانت على غيره؟ في بادئ الأمر كنا نعتقد أن ‘نواب’ الأمة مجرد شهود زور يرشيهم النظام الفاعل، مثلما يحاول إرشاء المواطنين من خلال رشاوى اجتماعية’، فيعمد إلى رهن ‘صوت’ وإرادة’ هذه المجموعة من منتحلي صفة تمثيل الشعب، ويغدق عليهم من مال الشعب، برشاوى تقدر بمبالغ يسيل لها اللعاب، وتفقد أصحابها وعيهم وكرامتهم، خاصة وأن الكثير منهم لم يسبق أن شهد مثل تلك الإغراءات إلا في خيال الأفلام، ولم يتعامل طيلة حياته بعشر تلك المبالغ، مما يفسر إمعان هذا النظام إهانتهم وشراء ‘إرادتهم’ المرة تلو الأخرى، عند كل مناسبة يحتاج فيها إلى الأيدي المرفوعة عالية. لكن يبدو أننا قد أحسنا الظن في ‘نواب الأمة’ وبالغنا في تقدير هممهم عندما اتهمناهم بتلقي رشاوى، لأن الأمر في واقع الأمر كان أبشع من ذلك، بحيث تكشفت ملامحه مؤخرا في شكل ‘دعارة برلمانية’ في أقبح صورها، وهم يبيعون شرفهم وعرضهم دون حياء أو وازع أخلاقي، وما يثير الحنق أن النظام لم يحاول حتى التستر على ما يفعله بهم ولم يوفر لهم حتى ورقة توت ليخفوا بها خلاعتهم، ويصورهم في قمة الإذلال الذي يطأطئ الرؤوس، ليفضح طمعهم اللا متناهي من خلال إكرامهم بثلث مليار سنتيم، عبارة عن دفع مسبق لراتب عشرة اشهر. الملفت للانتباه والدهشة أن هذه السقطة المروعة جاءت في ختام ‘ولايتهم’ وكأن النظام أراد إهانتهم حتى اللحظة الأخيرة،، ويحذر القادمين الجدد في الوقت ذات، أن قوانين اللعبة، هو من يحددها، ولا سبيل ليوهموا أنفسهم ببطولات مزعومة، قد تحدثهم بها أنفسهم الطماعة.

وفي ضوء هذه الفاحشة البرلمانية، وما نشهده من رعونة هذا النوع من الممارسة السياسية والبرلمانية، فهل بقي من معنى وقيمة لهذه البرلمانات وخاصة التي يجري الإعداد لتنظيمها، في جو يبشرون بأنه سيكون أروع من الربيع عربي سؤال نوجهه إلى الأحزاب ‘المعترف’ بها مؤخرا من قبل جهاز التوفيق على لسان ولد قابلية، للحاق بركب من سبقهم، لمواصلة لعبة الرذيلة، عن طواعية ووعي منها.

د. رشيد زياني شريف
عضو حركة رشاد الجزائرية
26 يناير 2012