يبدو أنّنا أمام سيناريو جديد متجدد سيُخيم على تشريعيات الجزائر القادمة، فالدلائل على ذلك والإشارات الواضحة وصلت إلى حد يقطع مع الشكّ والاحتمال ويرتقي إلى مستوى الوقائع التي قد تتجلى حال انقضاء المدّة التي تفصلُنا عن موعد الانتخابات، وبالعودة إلى تصريحات بوتفليقة وأويحي لن نجد مشقة تُذكر في فهم ما ذهبا إليه خاصّة وأنّ تصريحاتهما بالغة الأهميّة كونها تصدر عن شخصيّات تحتكم على أعلى رُتبة مدنيّة في البلاد وتُمثل واجهة ” المؤسّسة العسكريّة الحاكمة في الجزائر.

بوتفليقة الذي كانت عباراته صارخة لا يسترها إلا بعض التعتيم الطفولي وجّه نداءا واضحا إلى القوى العلمانيّة من أجل أن تحتشد وترصّ صفوفها وتحثّ أنصارها على المشاركة بقوّة وبفاعليّة خلال الاستحقاق القادم، وأرسل تحذيرا مفاده أنّ الفشل ستكون عواقبه وخيمة، والرجل بمثل هكذا خطاب إنّما يستنهض تلك الكُتل الناخبة الخاملة وتلك التي لا تملك ولاءات سياسيّة إنّما قد تتحرك من أجل نمطها الثقافي والإجتماعي الخاصّ بها والمتعارض مع طبيعة المجتمع الجزائري وإرثه وهويته فتنهض للقيام بعمليّة تصويت وقائي، ولا شكّ في أنّ بوتفليقة عندما توجّه لتلك القوى الصامتة ، الكسولة، الزاهدة وحذّرها من المجهول كان يعي جيّدا أنّ التيّار الإسلامي في عمومه يعتمد اعتمادا كليّا على التصويت النضالي وأنّ أيّ حالة ركود في حركة التصويت ستصبّ حتما في صالحه، القاضي “المدني” الأول في البلاد مازال يصرّ على أنّ الجزائر بعيدة عن رياح الربيع العربي لأنّها كانت سبّاقة في إرساء نموذجها الديمقراطي، ولعمري أنّ مثل هذه الإشارات تدلّ على أنّ الرجل مازال يعتقد بأنّ المرحلة التي تلت توقيف مسار 92 هي مرحلة سليمة تندرج ضمن التجارب الديمقراطيّة التي تُذكر فتُشكر، وهذا يُحيلنا على انطباع خطير، فهذا الذي يتبجّح بمرحلة كانت مُلكا خاصّا لقراصنة المؤسّسة العسكريّة توسعوا خلالها في في القتل والنهب والتشريد ، يعلفون العُملة الصعبة والسهلة وإن غصّوا يشربون دماء الشعب ويتخيّرون تلك التي نسبة كُريات الرفض فيها عاليّة، سوف لن يتردد في استنساخ التجربة نفسها طالما يعتقد أنّ الــ 200 ألف قتيل والبليارات المُهرّبة وأحلام الملايين التي وئدت أمر عادي في ظلّ الحُكم الديمقراطي الرشيد.

الحالة نفسها تنطبق على أويحي لا بل لعلّها أشدّ وأنكى، فالأمر هُنا يتعلق بشخص غريب الاطوار “شبح”، هذا الرجل البعبع الذي استفاقت الجزائر ذات يوم فوجدته “وزيرا أولا” هكذا دون مقدّمات ودون تدرّج ولا حتى تمويه قال له العسكر “كن فكان”، ولم يراعوا في ذلك حتى أبجديات الضحك على الشعوب وخداعها ولا هم راعوا عُرف “ذرّ الرماد في العُيون” وإن كان عُرفا قبيحا، فأن يراوغ الطواغيت شعوبهم ويتحايلون عليهم أفضل من أن يتجاهلونهم وينسبونهم إلى العدم، لأنّ الطواغيت التي تموّه وتراوغ شعوبها تكون قد اعترفت بأجسام وأجرام أمامها تريد تفاديها، أمّا الطغمة العسكريّة وطفيليّاتها لا يعترفون بشيء، فأيّ جسم يُطلّ يعالجونه فورا بالحديد والنّار.

كيف لمن شبّه مهزلة انتخابات 95 الرئاسيّة باستفتاء 62 أن تكون له مصداقيّة وأن يتوسّم الجزائريون الخير في الإدارة التي يتزعمها والتي ستشرف على محطة التشريعيّات من ألفها إلى يائها، فالشخص الذي مازال يواصل مسيرة اسْتِبْلاه 35 مليون ويقارن بين محطة مُجرمة أعطت المشروعيّة لذبح الشعب الجزائري ومحطة ناصعة توّجت الدماء الزكيّة لمليون ونصف المليون شهيد ما كان له أن يكون عونا مُراقبا في مكتب اقتراع ناهيك على أن يكون الرأس المُدبّر لإدارة العمليّة أو المسرحيّة برمّتها، فتواجد هذا وأمثاله في مرحلة يدّعون أنّها فاصلة، تفيد بأنّ النظام أصبح يُمارس فنون الاستهزاء والسخرية والعبث، وإلا فإنّه وإن كبُرت عليه أن يدعو إلى حكومة تكنوقراط تقوم على التشريعيّات فلا أقلّ من أن يُطيّب الخواطر ببعض الشخصيّات الوطنيّة ويُسند لها أدوارا ولو مُحتشمة، إنّما هو الكبر القاتل والإصرار على جرّ البلاد إلى الحسم الدموي الذي يحبّذونه لكن هذه المرّة سيخذلهم لأنّ كل المُعطيات الداخليّة والخارجيّة تقول بأنّنا نعيش مرحلة مغايرة للسائد الحسم فيها سيكون للشعب وليس لغيره.

إيقاع التغييرات الذي تشهدها المنطقة، المناخ الذي بات يُخيم على الدكتاتوريّات الهرمة، البنادق التي تتكسر تباعا وتنحني أمام الحناجر، الأصنام التي تهوي في الساحات العامّة.. كل هذه الأمارات تُبشّر وتؤكّد على أنّ المستقبل للجزائر وليس للجزّارين، وأن “زحل” الطواغيت إلى أفول، وأنّ فجر الشعوب يحث الخطى نحو الشروق.

ناصر أبو يسر
25 مارس 2012