جدد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يوم الاثنين 30 أبريل، دعوته إلى ضرورة المشاركة بقوة في انتخابات العاشر من مايو القادم، وشدد على الأهمية التي يكتسيها هذا الموعد على مصير الجزائر، إلى حد شبهه بثورة التحرير المجيدة. هناك أمر أول يستشف من خطاب الرئيس، يتجلى في حرصه المبالغ فيه على دفع الناس نحو المشاركة، مما يكشف حاجة النظام الماسة بل المصيرية، هذه المرة، إلى مشاركة كثيفة فعلية ليتمكن من تسويق صورة زاهية عنه، مفادها أنه محل ثقة الشعب ولا حاجة لتغيير شامل على غرار دول الجوار، خاصة وأن الوضع مختلف هذه المرة ولا يمكنه تزوير “نسبة المشاركة” كما دأب عليه من قبل، فمجرد خلو الشارع ومكاتب الاقتراع من المواطنين، موثق بكاميرات المواطنين المتمردة عن الوصاية، سيكشف كل محاولة تدليس أو تضخيم من طرف الآلية الإعلامية الرسمية. ولهذا فالمحك هذه المرة هو المشاركة، بصرف النظر عما تتمخض عنه نتائج الصناديق، لأن فرز المحظوظين قد تم ضبطه قبل حتى إجراء الانتخابات، من خلال اعتماد من “يندرج” ضمن الفئة المقبولة من حيث معايير السلطة الفعلية، المخابرات.

ومن هذا المنطلق ومحاولة منه التكيف مع التغيرات الجوهرية في المنطقة العربية، يبذل النظام الجزائري منذ هبوب رياح الربيع العربي، قصارى جهده لتقديم الانتخابات المقبلة على أنها البلسم لكل ما تعانيه البلاد، وهو بذلك يراهن على نجاحها باعتبار ذلك من شأنه أن يجنب البلد مصير أنظمة الدول المجاورة المنهارة تحت ثورات الشعوب المنتفضة.

وضمن الجهود الرامية إلى دفع الشعب الجزائري إلى المشاركة في هذه الانتخابات، حاول الرئيس إقناع المواطنين أن هذه الانتخابات تختلف عن كل الانتخابات التي سبقتها منذ انتخابات ديسمبر 1991 المجهضة، في اعتراف رسمي واضح منه، بتزوير كافة الانتخابات التي شهدها البلاد منذ ذلك الانقلاب، وعرض السيد بوتفليقة انتخابات 10 مايو المقبل في صورة نقلة نوعية “بالنظر إلى الآفاق المستقبلية التي سترسمها هذه الانتخابات وأثر ذلك بالنسبة لمصير البلاد ككل”.

وأضاف رئيس الدولة في نفس السياق أنه “ينبغي على الجميع أن يعلم تمام العلم بأن “المشاركة الواسعة تمهد الطريق لدعم أركان الدولة، وأن دولة قوية يعني دولة قادرة على حماية المواطن وعلى الحفاظ على السيادة الوطنية وتماسك البلاد في ظرف دولي يوحي بتساؤلات عدة”، خاصة وأن “الجزائر هي اليوم محط الأنظار” كما جاء في خطاب الرئيس غداة الاحتفال بعيد العمال.

لكن ما يثير الشكوك على نحو متزايد وما لا تخطئه العين هو أن الحملة المحمومة لدفع الناس نحو المشاركة لم يسبق لها مثيلا هذه المرة، بل بلغت حد الهستيريا، حيث راح أقطاب النظام يستخدمون شتى أساليب الترهيب لتخويف الشعب بل وتهديده تارة بعودة الإرهاب، في إشارة إلى ما اصطلح عليه بالعشرية الحمراء، بصورة مستفزة ومفضوحة تدل بشكل صريح على أن النظام الجزائري هو من يتحكم في أزرار انطلاق موجات الإرهاب وكبحها في الوقت المناسب، وتارة أخري من يرعبهم بتدخل النيتو! وكأنهم لا يشعرون أو ربما لا يبالون كونهم من خلال تلك التهديدات، يخرقون دستور البلد الذي يكفل للمواطن حق المشاركة أو المقاطعة، ويفترض فيهم حماية هذا الدستور.

يبدو أن إصابة أركان النظام بهذه الهستريا، دليل ساطع على انقلاب السحر على الساحر، فبعد أن اعتقدوا دهرا أن الشعب يمكن تضليله كل الوقت، بدؤوا يشعرون هذه المرة بخطورة الوضع وبأن خيوط اللعبة بدأت تنفلت من أيديهم، بعد أن أدركوا أن الشعب لم يثق بهم يوما، وإنما تركهم في غيّهم يعمهون، أما الآن بعد أن انتفض المارد، وتحرر من القيود التي كان مكبلا بها، انتقل إلى مستوى فعال ومبتكر في التعبير عن مقاطعته لهم ولكل ما يرمزون إليه، ومن جملة ذلك، مقاطعته لكرنفال 10 مايو، بحيث جعل العرس الذي كانوا يمنون به أنفسهم يتحول مأتما بل كابوسا. ومن فرط ما استخدموا فزاعة النيتو، أصبحت هذه الورقة مدعاة للسخرية بين الناس، وهي تتخلل بشكل فج خطابات أقطاب النظام، من قبيل: إن لم تنتخبوا سيتدخل النيتو! وإن نازعتم السلطة وطلبتم بتغيير شامل يعود النيتو! وإن طالبتم باستعادة حقوق المواطنة، فذلك يفتح الباب لدخول النيتو! الرسالة الجوهرية المراد إبلاغها: اقبلوا بنا وإلا يتدخل النيتو ليحتل البلاد! والأخطر من ذلك كله أن هذه التهديدات لا تصدر عن محللين أو رؤساء أحزاب وإنما عن رئيس البلد ورئيس حكومته، وبينما أوغلوا في امتطاء صهوة هذه الفزاعة، فاتهم أنه لا أحد يجهل أن النيتو ليس مرحبا به فقط من قبل النظام القائم بل متواجد، بأشكال متنوعة في صحراء البلد في شكل (USEUCOM) وينسق معهم في الكثير من الملفات، أو بمكاتب الـ”أف بي آي” في عاصمة البلد.

وعكس ما يردده ساسة النظام الجزائري عبر هذه الأسطوانة المشروخة، فقد شاهد العالم أن ثورة مصر جرت دون أن يتدخل النيتو وكذلك تونس واليمن، باستثناء الحادث الليبي الذي كان شعبه قاب قوسين أو أدنى من الإبادة تحت مجنزرات كتائب القذافي التي راحت تدك مدن بأكملها.

وللوقوف على سر ذلك الحرص الهستيري على المشاركة في هذه الانتخابات بالذات، هناك ملاحظات مهمة ينبغي الوقوف عندها: عكس تشكيلة النظام في كل من تونس ومصر واليمن، يتألف لب النظام في الجزائر بالأساس من جهاز المخابرات (مديرية الأمن والاستعلامات) وليس من دكتاتور واحد محاط بأفراد الأسرة كما هو الأمر بالنسبة للجيش التونسي أو المصري، البعيدان عن المناورات السياسية الجوهرية. كما أنه من الثابت باعترافات شتى ومطلعة ومن مصادر مختلفة ومقربة، أن جهاز المخابرات في الجزائر متورط بشكل تام في الحالة المتعفنة التي وصلت إليها البلاد، من فساد مستشرٍ وأعمال قمع دموي وانسداد سياسي في وجه المواطنين، ولهذه الأسباب يدرك هذا الجهاز والمحيطون به، أنه في حالة تغيير جذري للنظام، سيجد نفسه لا محالة معرّضا للمسائلة والحساب عما قام به طيلة حكمه الدامي على مدار نصف قرن من الزمن، والمثول أمام عدالة مستقلة إلى جانب كل من تعامل معه، وشاركه في جرائمه، في استغلال النفوذ وتعفن الوضع.

لكن يبقى هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح، خاصة بعد تجديد خطاب الرئيس بوتفليقة ورئيس حكومته، أويحيى، سؤال محيّر حول مغزى تخويف المواطن من تدخّل النيتو، والربط بينه وبين “ضرورة” المشاركة في انتخابات 10 مايو. هل الأمر عبارة عن تحذير استباقي، مفاده أن النظام مقدم على ممارسة قمع دموي على شاكلة ما قام به نظام القذافي في وجه كل مطالب بالتغيير الشامل الذي يضع نهاية له، ومن ثم قد يفتح ذلك الباب أمام تدخل النيتو كما جرى في ليبيا؟ هل هذا ما يعنيه بوتفليقة وغيره من دينصورات النظام المتهاوي من خلال تكرار رسالة تدخل النيتو؟ ففي هذه الحالة يضعون أنفسهم محل متابعة قضائية بتهمة السعي إلى زرع بذور الفتنة وإشعال حرب أهلية، وارتكاب جرائم حرب، وتقديمهم أمام محكمة الجنايات الدولية.

أم معنى ذلك أن هذا النظام الذي أدى بالبلد إلى إفلاس تام وتدهور لا قاع له منذ تربعه على سدة الحكم والذي وصل الآن إلى طريق مسدود وهو على شفا انفجار أركانه من الداخل، مستعد إلى تفتيت البلد، بل والدعوة إلى تدخل أجنبي وبيع الوطن في سوق الكبار، بدلا من الإقرار بالإفلاس وترك الشعب الجزائري يقرر مصيره بيده وبكل حرية بطريقة سلمية دون إراقة مزيد من الدماء؟

إنها احتمالات مفزعة لكن واردة وغير مبالغ فيها بالنظر إلى ما خابره الشعب من تجارب دامية مع هذا النظام، ويعزز هذا الاعتقاد الرهيب، هستيرية الساسة الذين يبدون مع مرور الأيام، وكأنهم فقدوا تماما الصلة بالواقع، خاصة أمام تحدي الشعب الجزائري الذي لم يعد يخشى تهديداتهم وتخويفهم. إن آفاق ما بعد 10 مايو ستكون لا محال حبلى بالأخطار والمفاجآت، إلا أن يجنب الله البلاد ويحمي الشعب الجزائري من جرائم فلول بيجار والمنتفعين من فتات موائدهم.

د. رشيد زياني شريف
حركة رشاد، الجزائر
8 ماي 2012