أولا ما أقصده بالثورات المضادة لا يقتصر على “أحداث” (events) محددة زمنيا، تحاول فيها النظم المطاح بها العودة إلى سدة الحكم عبر إجهاض ثورات الشعوب، مثلما حدث عند الإطاحة بمصدق المنتخب شعبيا وإعادة شاه إيران، بتدبير من السي آي أي، أو ما يحدث حاليا في كل من مصر وتونس من محاولات زعزعة الوضع و”إرجاع” الأمور إلى “طبيعتها”، مع استتباب الأمن، أمن السجون والمعتقلات والقبور، طبقا لنماذج مبارك وبن علي والقذافي وغيرهم. الثورات المضادة لا تقتصر فقط على “أحداث” محدودة زمنيا، بل هي أيضا عمليات (processes) مستمرة زمنيا، تعتمدها جل الدول العربية، وسيلة لاستدامة حكمها، من خلال إحباط كل محاولة (ووأدها في المهد قبل خروجها إلى العلن) تصبو إلى إعادة النظر في شرعية الحكم القائم وإحداث تغيير جذري فيه، لأن هذه الأنظمة ببساطة لا ترى لشعوبها أي حق أو شرعية، في تسيير شؤون البلاد، وأن هذا الحق محصور فيها فقط. يمكن لكل متتبع نظم الحكم في الدول العربية أن يستشف دون عناء “كمون” الثورات المضادة في جل هذه الدول حتى لو لم تتجل هذه الثورات المضادة في صيغة دراماتيكية، في وقائع “عنيفة” مثلما حدث في إيران الشاه والآن في العديد من الدول العربية.

سبب كمون الثورة المضادة في دول العالم العربي يجد تفسيره في كون النخب الحاكمة تعتبر الشعوب عدوّها اللدود الذي يقض مضجعها، مما يجعلها تستنفر كل قواها لإقصائها من المشاركة في الحكم الفعلي، ليتسنى لها الانفراد في إدارة دواليب الحكم في غيابها، إما عن طريق إبعادها عن كل ما هو سياسي، بحجة أن هذه الممارسة تقتصر على “الخاصة” أو إغراقها في معارك هامشية منهكة، سواء كان ذلك عبر اختلاق خصومات بل وحروب وهمية دونكشوتية بين فئات الشعب، يكون الرابح فيها الوحيد، النظام القائم، أو من خلال رشوة ممثلي هذه الفئات. وفي حالة تعذر تحقيق الغرض عبر الوسائل “اللينة” لجأت إلى الخيار الخشن، من خلال حملات قمع دموي لوأد كل محاولة تشكك في شرعية الحكم أو تطالب بالحق في التعبير والتغيير الفعلي.

ليس غريبا البتة أن ترى هذه النخب في شعوبها العدو اللدود، لأن شرعيتها لم تكن يوما عن طريق تزكية واختيار هذه الشعوب، ومن اليسير لمن يراقب مسار هذه النظم، أن يلحظ أن جلها، إن لم تكن كلها، وصلت إلى سدة الحكم والاستئثار به، عن طريق انقلابات إما دموية أو سلسة أو “علمية”. أما فيما يتعلق بالعدو “الافتراضي”، العدو الخارجي، الذي لا طالما لوّحت به هذه النظم لاستدامة أركان حكمها، لا يعدو كونه “بعبعا” يستفيدون منه مرتين، يتخذونه ابتداء فزاعة لإرهاب الشعوب، ومن ثم إرغامها على قبول فساد وقمع “الوطني المحلي”، بحجة أنه مهما بلغ فساده فذلك أهون من جور العدو الخارجي، وفي الوقت ذاته، تعتمد هذه النظم للبقاء في الحكم على هذا العدو تحديدا، من خلال “سكوته” عن فسادهم وجرائمهم، لقاء مزايا مجزية يصعب عليه مقاومتها.

الثورات المضادة “الحدث”، تونس ومصر نموذجا

الحالة الأولى: تونس، حيث تجري أطوار ثورة مضادة عبر محاولة زعزعة الوضع الأمني وإحداث فوضى عارمة خاصة من خلال إقحام البعبع السلفي، وأدلجة الصراع، لإخافة المواطن وجعله يحن إلى العهد البائد ويترحم على “أمن” عهد بن علي. وهنا يطرح السؤال، من المستفيد من إشعال الفوضى والفتنة في تونس الثورة. العارف بالوضع في تونس يشهد ثلاثة فئات رئيسية، رغم تبيانها بل وتنافرها، تتعاون فيما بينها لتعفين الوضع، فئة من المتطرفين تحت عباءة سلفية عنيفة (والغريب أن هذه الفئة لم نسمع لها صدى في زمن بن علي!) وفئة اليساريين المتطرفين الذين عاشوا ظهرا في وئام وحميمية مع الاستبداد المستنير، وفئة ثالثة، متمثلة في الخارجين عن القانون بكافة أطيافهم الذين وجدوا ضالتهم في زعزعة الأمن لجني ثمار مغرية، كل ذلك تحت رعاية وإشراف فلول النظام السابق ممن خسروا الكثير ويخشون الملاحقات القانونية على ما اقترفوه من جرائم. الهدف المشترك عند هذه الفئات، إضعاف النظام الجديد وزرع الشكوك في صوف المواطنين وتهيئة الأجواء لاستعادة الوضع إلى “نصابه”، كما يلاحظ أن هذه الإضطرابات تحدث في فترة حساسة، خاصة في موسم الامتحانات وما لذلك من أثر جسيم. إذن الخطر الذي تم امتطائه من قبل أطراف علمانية متطرفة، متمثلا في سذاجة من يصفون أنفسهم “سلفيين” هو خطر وهمي، لأن الخطر الحقيقي يكمن في كل من يريد إرجاع تونس إلى عهد قمع الحريات وانتهاك الحقوق، ومن بين هؤلاء، الذين بحجة الإبداع، يستفزون مشاعر الشعب التونسي من خلال حماقات لا صلة لها بالفن ولا الإبداع من قبيل كتابة أسم الجلالة بالحشرات، وهم يدركون أنهم سيحدثون فوضى سيقع في شراكها السذج.

أما في الحالة المصرية، خلافا للوضع التونسي الذي تميزت فيه المؤسسة العسكرية بدرجة كبيرة من الوطنية والنزاهة والتي نأت بنفسها عن الحكم السياسي للبلد، فإن السبيل المتبع في مصر للانقضاض على الثورة مختلف، وتجلت أركانه في “إفراغ” هياكل السلطات الجديدة المنتخبة من صلاحياتها الطبيعية وإرجاعها إلى كنف السند القديم للنظام البائد أي المجلس العسكري، ليتمكن هذا الأخير من استعادة ما فقده من جراء ثورة الشعب، والغريب الذي لا يخفى على أحد أن رغم مرور سنة ونصف السنة على نجاح الثورة، لا تزال مقاليد السلطة الحقيقية في يد النظام القديم ممثلا بالمجلس العسكري والهياكل المنبثقة أو التابعة له، وما أقدم عليه هذا المجلس مؤخرا يرسخ هذا الاعتقاد، بدايته إلغاء المحكمة الدستورية المصرية القانون الذي يمنع أقطاب نظام مبارك السابق الذين شغلوا مناصب عليا خلال السنوات العشر الأخيرة، من الترشيح للانتخابات، مما يشكل دعما واضحا من المؤسسة العسكرية لترشح الجنرال شفيق رغم كونه آخر رئيس حكومة عينه مبارك، بالإضافة إلى شغله مناصب سامية أخرى منها وزير للطيران المدني، من جهته، أعاد وزير العدل المصري (المعين من قبل المجلس العسكري) إلى جهاز الأمن العسكري وضباط الاستعلامات العسكرية صلاحية توقيف المدنيين واعتقالهم ومحاكمتهم، ووفي ثالثة الأثافي، قرار المحكمة الدستورية إلغاء ثلث مقاعد مجلس الشعب بحجج تقنية واهية لإغراض مستقبلية غير خافية، مما نجم عن ذلك حل الغرفة السفلى للبرلمان، لإرجاع السلطة التشريعية إلى المجلس العسكري. الأمر الذي جعل المصريون يطلقون على ما يحدث بالانقلاب العسكري العلمي.

الثورات المضادة “العملية”، الجزائر نموذجا

أود ابتداء التوضيح، أن كون ما يحدث في الجزائر يدخل في سياق “العملية” المستمرة في الزمن، لا يعني أن البلد لم يشهد ثورات مضادة في صيغتها “الحدث”، أي المحدد زمنيا، وبشكل عنيف. هناك محطات كثيرة يمكن تصنيفها في هذا الإطار، أخص بالذكر ما وقع عقب أحداث أكتوبر 1988 وما بعد انتخابات يناير 1992. وبناء عليه يمكننا أن نجزم أن الثورات المضادة لم تحدث فقط بعد انتفاضات الشعوب على أنظمتها القمعية، بل هي مستمرة منذ تربع هذه النخب على سدة الحكم، لأن الأسس التي تقوم عليها هذه الأنظمة التي تجعل من بقائها الثابت الوحيد مهما كان الوضع، يجعل هذه الأنظمة في حد ذاتها تجسيدا للثورات المضادة “الخافة”، من خلال بذلها ما في وسعها لمنع الشعوب من استرداد حقوقها، وأول هذه الحقوق أن تكون مصدر الشرعية. ومن ثم ما نشاهد من ثورات على هذه الأنظمة وما ترد به هذه الأنظمة بتحالف مع أطراف أخرى، ما هو إلى الجزء الظاهري والعنيف، لظاهرة مستمرة موجودة ومتأصلة في هذه الأنظمة.

إذن تسارع الأحداث في دول الثورات العربية أمر “طبيعي”، لا ينبغي أن يفاجئ أحدا، لأن النظم الحاكمة التي تم إسقاطها والزمر الدائرة في فلكها والمنتفعة منها فضلا عن القوى العظمى التي كانت بمثابة الداعم الأساسي لها، ما كانت لتبقى مكتوفة الأيدي لا تحرك ساكنا راضية بما يقع، لأن الوضع الجديد خطر عليهم جميعا، وكل تغيير في هذه الدول معناه الحكم “بالإعدام” عليهم، فالنظام في الجزائر على سبيل المثال فهم الدرس منذ أحداث أكتوبر 1988، ثم غداة انتخابات 1991، وتصرف وفق منطق الثورة المضادة حتى قبل وقوعها، حيث لجأ إلى نوع مبتكر من الاستباقية و الإجهاز على المطالبة الجادة بالتغيير، وقد رسخت ثورات الربيع العربي قناعته من “سلامة” تعامله مع مطالب التغيير، من خلال إجهاضها، بطرق شتى منها على وجه الخصوص “تحالف الأضداد” (“السلفيين” العلميين والعلمانيين المتطرفين على سبيل المثال لا الحصر) واستغلالهما ذرعا منيعا في وجه طموح الشعب الجزائري التواق إلى التغيير، بحجج “الشرعية”، و”العقلانية”، بحسب مصدرها، تماما كما تحالف الأضداد غداة انقلاب يناير1992 لتحقيق الغرض ذاته.

وضمن جهود “تجميع” الأضداد، إجهاضا لمساعي التغيير، نشهد كيف تسمح السلطة في الجزائر لشيوخ “السلفيين” بمخاطبة الجماهير بل وتشجيع ذلك، في حين يتعرض مناضلو حقوق الإنسان ودعاة التغيير السلمي للمطاردة والملاحقة القضائية داخل البلد وخارجه. وهنا أيضا ليس ثمة غرابة ولا مفارقة، فمثل هذا التصرف يعتبر متجانسا مع خطة السلطة، لأن استغلال من يطلق عليهم اسم السلفية العلمية (وغيرهم) ليس أمرا جديدا، فقد تم استغلاله منذ التسعينات لمواجهة التيارات المطالبة بالتغيير، أيا كانت توجهاتها. إن سبب دعم السلطة لهذا الفريق من التيارات السلفية حاليا، يكمن في فتواه بـ “عدم جواز” مناكفة ولي الأمر، مثله مثل فصيل “العلمانيين المتطرفين”، الذين ينشرون فتواهم بعدم جواز “اللعب بمصير الجزائر من خلال انتخابات حرة في بلد يشكل فيه الأميون 7 ملايين نسمة! وبذلك حصل كل فريق على مبتغاه، أو هكذا اعتقد السذج، لأن واقع الأمر قد ثبت في كل مرة أن المستفيد الوحيد هي الجهة التي وظفت سذاجتهم وانتهازيتهم. وفي إطار تنفيذ استراتيجيتها، شجعت السلطة بمنتهى الدهاء كل من يفتي بعدم جواز حكم “العوام” سواء بفتاوى “شرعية” أو “علمانية”، من خلال فتحها المجال فسيحا أمام النقيضين، العلمانيين المتطرفين، عبر المنابر الإعلامية العديدة، و”السلفيين العلميين” عبر تبوؤهم جل منابر المساجد، ومن معجزات النظام الجزائري، تمكنه في تجميع نقيضين آخرين، السفليين وشيوخ الزوايا، الذين رسخت سلطانهم بتنظيم مؤتمر دولي لهم، وتعيين وزير للشؤون الدينية منهم، لتحقيق هدف واحد، تحريم المطالبة بالتغيير!

والجدير بالذكر أن هذه الإستراتيجية توصلت إليها السلطة الحاكمة عقب انتفاضة أكتوبر حين دخل المجتمع، وخاصة الطبقات التي تعتبرها هذه السلطة بأنها خطيرة، الفضاء السياسي وأعربت عن اهتمامها بالشأن العام، فكان لا بد من وقف ذلك، فانصبت جل جهود “الدولة” إلى حرف حركة المجتمع وتجريم “مطالب التغيير”، وتنفير المواطنين من “نجس” الشأن السياسي، وضرورة التعفف منه!

في الختام، فإن ما يحدث في كل من تونس ومصر، وليبيا بدرجة أقل، تعتبر أمورا طبيعية ومتوقعة، وهي تحدث عقب كل الثورات، باعتبارها هزات إرتدادية، قد تسبب تعثر للثورات ولكنها لن تهزمها، كما أنها لا شك سيترتب عنها تكلفة، ومهما بلغت هذه التكلفة، فهي ثمن زهيد في سبيل استعادة هذه الشعوب حريتها وحقوقها وكرامتها، التي حرمت منها دهرا. كما تبين بما لا يرقى إليه أدن شك أن خنق الحريات، الذي ساهمت فيه بعض النخب بدعم من السلطة، مها كانت حجتها، لا يمكن أبدا أن يؤدي إلى تطور البلاد ونموه، بل تتحمل هذه النخب بطرفيها النقيضين (وكل من سار على منوالها) المسؤولية الكاملة على الزج بالبلد في حروب عبثية لا صلة لها بالواقع ومبددة للوقت والجهد والثروات، لأن الحرمان من الحرية لا يمكن بأي حال من الأحوال تبريره أو تفسيره، لا “شرعيا” ولا “عقليا”، والتاريخ شاهد على أنه بدون حريات فردية أو جماعية، لن تجني المجتمعات إلا مزيدا من التخلف والتعاسة. وقد بات واضحا أن هذه النخب قد ساهمت إلى حد بعيد في إبعاد المجتمع عن طرح الأسئلة الحصيفة والجادة، الكفيلة بانتشال المجتمع من ورطته، وألهته بدل ذلك بتوافه الأمور وطواحين الترف، لكن في المقابل لنا أن نسأل أين قوى التغيير الحقيقية المخلصة، هل ستبقى حبيسة حساباتها الضيقة والعبثية بالنظر إلى الآمال والمسؤولية الملقاة على عاتقها ، وأين المخلصين الصادقين من كل فئات الشعب الجزائري الذين يتحسرون في صمت مما آلت إليه الأوضاع، هل تترك هذه القوى تضحيات الشعب وآماله التي رسختها سنة 2011 تذهب أدراج الرياح، ليعود الاستبداد في حلة مختلف، بطرق ملتوية وثورات مضادة بأشكال متفاوتة؟

رشيد زياني-شريف
عضو المجلس الوطني لحركة رشاد
22 جوان 2012