تعرف الجزائر منذ أزيَد من عقدين شللًا لا تخطئه الأبصار، تتقاذفها سلسلة من الأزمات المتلاطمة تتغذّى كل منها بالأخرى. لا يمرّ يوم إلا وخرج مواطنو هذه البلدة أو تلك، أو هذه وتلك، للتعبير عن تذمّرهم من أوضاع معيشية بائسة، من انقطاع الكهرباء أو ماء الشرب، أو تراكم القمامات، أو غيرها من الخدمات الأساسية التي لم تعد هذه السلطة قادرة على توفيرها، ناهيك عن تسيير شؤون البلاد الأكثر مركزية، ممّا يشير إلى انفكاك عقد هذا النظام وتآكله الطبيعي. كل هذه الإخفاقات التي تنغصّ على المواطن معشيته، ما هي في واقع الأمر إلا آثارًا طبيعية ومنطقية تدلّ على إفلاس تراكمي هيكلي ناتج عن نظام سطا على سلطات لا يستحقّها، لا تتوفّر فيه أدنى مواصفات تؤهله لتحمّلها.

فعلى الصعيد السياسي، ما زال هذا النظام عاجزًا عن رؤية الأمور بشكل واقعي وعقلاني، يواصل محاولاته العابثة، وشطحات فلكلورية يُطلق عليها اسم الإصلاحات، الغاية منها القفز على تغيير حقيقي ضروري يؤسّس لنظام ديمقراطي ويرتكز على مؤسسات قوية وفعّالة. ومن المؤشرات الدالة على عدم مسؤولية هذا النظام وضحالته، اعتقاده الأخرق بأنه تجاوز محنة رياح الربيع العربي وخرج منها سالمًا غانمًا، دون أن يجري عليه مصير أقرانه الذين كنستهم ثورة الشعوب المنتفضة.

اقتصاديا، لا زال هذا النظام يعتمد على ريع المحروقات في إطالة عمره، وبدلًا من ترشيد استثمار مداخيل النفط والغاز، اللذان يشكلّان المورد شبه الكلي للبلد، ضمن إستراتيجية اقتصادية مدروسة، ها هو يواصل تبديد هذه الموارد لشراء وهم سلم اجتماعي قائم على الرشاوى. أمّا أمنيًا، فلا يزال نظام العصابة يتلاعب بترمومتر “الإرهاب” كيفما يشاء وحسب متطلّبات المرحلة، بحيث “يجمّده” عندما يحتاج إلى تهدئة مؤقتة لطمأنة المواطن ودفعه نحو الانخراط في مسرحيتيه، و”يؤجّجه” عندما تحتاج هذه المخابر إلى جوّ أمني مشحون يبرّر قبضتها القمعية لكتم الحريات والزج بالمناضلين المسالمين في السجون، دائمًا بحجة مكافحة الإرهاب.

كل هذه الأزمات، متعدّدة المستويات، تعدّ نتيجة طبيعية لخلل هيكلي، سياسي في الأساس يراد التستّر عليه، وإظهاره في غلاف أمني/اجتماعي. ومحاولة من الحكم القائم لصدّ الأنظار عن طبيعة هذه الأزمة وطمس أركان جريمته، جرّب جملة من الحيَل، باءت كلّها بالفشل كما يثبته واقع الأمر، نتيجة إصراره على تجنّب معالجة الأزمة معالجة حقيقية صريحة وعميقة، كما تأكّد أنّ محاولة التحليق فوق الأسباب الحقيقية أمر عبثي، ومهما تعدّدت الأساليب، لن يزيد ذلك سوى في تفاقم الوضع وتعقيده، إلى درجةٍ نفذت إلى نفوس المواطنين روح اليأس من الوعود الكاذبة والحلول المزيّفة، واستقالتهم من كل “حلول” السلطة، مثلما بينّته الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وضمن الحلول المزيّفة للخروج من هذه الأزمة التي لجأ إليها الحكم، تأتي المصالحة الوطنية التي أراد الرئيس بوتفليقة أن يدخل بها التاريخ من بابه العريض باعتباره الرئيس الذي جلب السلم للمواطن وحقّق استتباب الأمن، لكن رئيس الجمهورية لم يكلّف نفسه عناء طرح سؤال بديهي وبسيط: كيف لمصالحة مفروضة بسيف التهديد والوعيد، مصالحة ترفع من شأن الجلّاد، و”تضمن” له إفلاته من العقاب، وتقوم في المقابل بتجريم الضحية، الطرف الآخر، وتحرمها من حق معرفة ما جرى، كيف لمثل هذه المصالحة أن تضمّد الجراح وتعيد الطمأنينة؟ كيف لمصالحة تدفن الحقيقة والعدالة، بل تجرّم من يطلب بهما، أن تحقّق تسوية حقيقية تستعيد السلام المرجوّ؟ كيف يفلح في الجزائر ما فشل في بقع أخرى من المعمورة؟ لما لا الاتعاظ بتجارب أمريكا اللاتينية، التي رغم كل الحيل التي نسجتها دكتاتورياتها العسكرية تحت عناوين مغرية مشابهة، تارة مصالحة وتارة أخرى عفو عام، لم تنجو من سيف العدالة الذي أدركها كلها ولو بعد ثلاثة عقود من الزمن، حيث أُعيد فتح ملفاتها وجلب أقطابها أمام العدالة ليأخذوا جزاءهم؟ بالمقابل أليس حريّ بساستنا، اقتصادًا للجهد والأرواح والوقت والطاقات، الاتعاظ بتجربة جنوب إفريقيا التي “حكّمت” الحقيقة والعدالة قبل المصالحة، فحصلت على كليهما؟

وللخروج من روع ما نجم عن هذا الانقلاب، يجد الشعب الجزائري نفسه رهينة دعوات متضاربة، زادت من مرارة المشهد: ما السبيل للخروج من تبعات العشرية الدامية؟ هل يكمن الحلّ في قبول ما يحاول النظام فرضه من علاج يقوم على تكريس النسيان وطيّ هذه الصفحة الدامية بحجّة أنّ الحقيقة قد تجعل الوئام مستحيلًا؟ أم دعم مطالبة عشرات الآلاف من الضحايا وأهاليهم، بواجب كشف الحقيقة والإنصاف سبيلا لحلّ حقيقي يعيد الابتسامة، باعتبار أنّ النسيان مسكّن زائف لا يشكّل علاجًا شافيًا ومستديمًا، وقد بيّنت كافّة التجارب البشرية عبثية التعويل على حلول قائمة على حساب الحقيقة والإنصاف، كما ثبت فشل كلّ المحاولات التي اعتمدت علاج النسيان الجماعي المفروض قهرًا، لأنّها تؤسّس لاستدامة الأزمة وتكرار المأساة. في المقابل تبيّن صواب ونجاح التجارب التي اعتمدت خيار الحقيقة أوّلًا ثمّ الصفح ثانيًا، فكان طريقهم شاقًا وأليمًا لكن شجاعًا وبلسمًا استطاع تضميد الجراح ومواساة القلوب وتفادي التكرار؟ وفي هذا الصدد من المهم تبيان بعض هذه الأركان – ونقتصر هنا على ثلاثة – التي قامت عليها هذه التجارب لعلّها ترفع قدرًا من اللبس والشبهات المرتبطة بهذا المسعى، مع التوضيح أنّ الغرض من معرفة الحقيقة وإقامة العدالة، ليس الانتقام أو نصب المشانق، وإنّما تعبيد الطريق للخروج الحقيقي والفعلي من الأزمة وطيّ الصفحة إلى الأبد بشكل نزيه شفّاف وعادل.

– معرفة الحقيقة وواجب الذاكرة

يشمل ذلك حقّ الضحايا وأسرهم في معرفة ما حدث لهم أو لذويهم، وكذلك حقّ المجتمع في معرفة حقيقة الأحداث الماضية والظروف التي أدّت إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وذلك لتفادي تكرارها في المستقبل، كما ينطوي هذا الحق على التزام الدولة باتخاذ التدابير الكفيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وفي هذا الصدد تشكّل لجان تقصي الحقائق، الأداة الأكثر نجاعة واستخدامًا في شتّى بقع المعمورة التي شهدت أزمات مشابهة، لضمان تكريس هذا الحق، وهي آليات خارج نطاق القضاء، تصبو إلى إنجاز مهمّتين أساسيتين: من جهة، التحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان، وتحديد أسبابها العميقة، السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، والأيديولوجيات التي تقوم عليها، ومن جهة ثانية، تعمل على رفع توصيات إلى الجهات المخوّلة، تقضي باتخاذ تدابير لإعادة تأهيل الضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة، والقيام عند الاقتضاء بالحفاظ على الأدلة المتعلّقة بانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة تحت تصرّف السلطة القضائية. لكن ما جرى في الجزائر يتناقض مع هذا المبدأ، حيث أقدمت السلطة الحاكمة، بصورة أحادية مفروضة بسنّ قانون مصالحة، يخالف تمامًا هذا الركن، ويكرّس الإفلات من العقاب عبر تضمّنه موادّ تجرّم واجب الذاكرة بل وتعاقب عليه.

– الحق في العدالة

الحق في العدالة يعني أنه من حقّ أيّ ضحية الحصول على انتصاف عادل وفعّال، بما في ذلك تطلّعه إلى مثول الشخص أو الأشخاص المسؤولين عمّا لحق به أمام العدالة، ومساءلتهم، كما يقع على الدولة واجب التحقيق في الانتهاكات، واعتقال ومحاكمة مرتكبيها، ومعاقبتهم إذا ما ثبتت إدانتهم.

– اتخاذ إجراءات تحول دون تكرار الانتهاكات

يقتضي ذلك التشديد على ضرورة تفكيك الجماعات المسلّحة غير التابعة مباشرة للدولة، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وإلغاء قوانين الطوارئ، وإقصاء المسؤولين المتورّطين في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من مناصبهم وفقًا لإجراءات عادلة وشفّافة، هذا بعد كشف مسؤوليتهم علانية، إلى جانب العمل على إصلاح مؤسسات الدولة وِفقا لقواعد الحكم الرشيد وسيادة القانون.

وفي هذا الإطار، من الضروري إبلاغ الأطراف المعنية بالأزمة بالقواعد القانونية الدولية التي تحظر منح عفو شامل عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، التي لا تسقط بالتقادم. ومن المهمّ التنبيه أن ليس معنى ذلك أنه ستتمّ محاكمة ومعاقبة كلّ شخص، مهما كان مستوى ضلوعه في هذه الجرائم، فالمقصود من هذا الإجراء هو أنه ليس من حق أيّ جهة، مهما كانت، أن تعرقل مجرى القضاء، بأيّ وسيلة كانت، كما أنّ الرسالة التي يُراد تمريرها هي أنه لا يقتصر الأمر على العقوبات الجنائية، بل يتّسع المجال ليشمل مجموعة من “العقوبات” غير الجنائية والتدابير التصالحية (لجان تقصّي الحقائق على سبيل المثال) لمعالجة قضية المساءلة. ولا بد من التذكير بأنّ المواثيق الدولية بما في ذلك مواثيق الأمم المتّحدة، لا تعترف باتفاقات سلام تحتوي على عفو من هذا القبيل، حتى في حالة وجوده، فلن يقف مثل هذا العفو مانعًا دون إجراء محاكمة لاحقة من قِبل محاكم تُنشِئها أو تساعد في إنشائها الأمم المتحدة.

أما فيما يخصّ مسألة العفو، فكلّ قرار يرمي إلى منح عفو محدود، لا بدّ أن يحترم الشروط الآتية:

– لا يطرح خيار منح العفو إلا عندما لا تنتهك هذه التدابير الالتزامات الناشئة بموجب القانون الدولي؛

– ينبغي ربط سياسات العفو بآليات المساءلة غير القضائية في إطار لجان تقصّي الحقائق على سبيل المثال أو التدقيق، من أجل منع الإفلات من العقاب وتعزيز سيادة القانون؛

– كل التجارب البشرية أثبت أنه في حالة الأزمات التي وقعت فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، لا يمكن استعادة الثقة والتأسيس لدولة القانون والمساءلة، دون المرور بطريق الاعتراف علنًا بالانتهاكات التي حدثت، ومحاسبة كلّ من شارك فيها أو خطّط لها أو أمر بارتكابها، مع إعادة الاعتبار للضحايا وتعويضهم (أو أقاربهم) عمّا لحق بهم من أذى.

في الختام، إنّ التركيز على واجب الحقيقة والعدالة يهدف إلى الوصول إلى معرفة الأسباب التي سمحت بوقوع الانتهاكات الجسيمة ومن ثمّ مدى إمكانية إزالتها، والتوصّل إلى تسوية عادلة لحلّ النزاعات من أجل مستقبل آمن مستديم أفضل. ألمانيا فعلت ذلك، وكذلك فعل البيض في جنوب إفريقيا، فتحقّق لهم مبتغاهم، أمّا جنرالات أمريكا اللاتينية، فقد تعاموا عنه، فلاحقهم تاريخهم الإجرامي ولو بعد نصف قرن من وقوع جرائمهم وهم الآن يمثلون أمام محاكم بلدانهم ليأخذ العدل مجراه. فهل يستمرّ انقلابيو الجزائر على نهج نظرائهم في أمريكا اللاتينية أم يستدركوا الوضع قبل فوات الأوان ويقتفوا آثار جنوب إفريقيا؟ الفرصة لا زالت قائمة، لطيّ ملفّ الأزمة بشكل حقيقي عادل ونزيه، فهل سيتحلّون بالشجاعة والحكمة، وينتهزون الفرصة؟ نأمل ذلك.

رشيد زياني-شريف
عضو المجلس الوطني لحركة رشاد
23 أوت 2012