ما إن تم الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، بعد تسريح أويحيى واستقدام سلال، حتى انهمرت التحليلات، من مختلف الطيف الإعلامي والسياسي، لتسلط الأضواء على هذا ‘التغيير’، حيث رأى فيه البعض استبعادا تأديبيا لوجوه أضحت عبئا على نظام الحكم، فيما اعتبره البعض الأخر إعدادا للرئاسيات المرتقبة، بينما رأى فيه طرف ثالث استجابة جزئية لتطلعات المواطنين، معللين ذلك بإقصاء بعض الوجوه التي أصبحت تجسيدا لكل ما هو ممقوت لدى المواطن ومستفزا لمشاعره، واستقدام السيد سلال شخص، باعتباره شخصية تمتلك قدرات على الحوار وروح الدعابة، ويذهب طرف رابــــع إلى أن هذا التغيير ينم عن صراعات قائمة على مستوى أصحاب القرار، إلى غير ذلك من التحليلات، لكن يبدو أن هؤلاء وهؤلاء، مثلــــهم مثـــل من يوجههم إلى رؤية القمر، فلا يرون أبعد من رأس السبابة التي تشير إلى ذلك القمر، لأن جوهر المسألة وصلب الموضوع لا يتعلق بالأشخاص مهما كانوا، ولا حتى بطبيعة البرامج والقوانين والتشريعات مهما بلغت من المصداقية والعدالة والحنكة، بقدر ما يتعلق بنظام الحكم وآليات تسيير الحكم ومدى شفافية هذه الآليات وسلاسة تنفيذها. للأسف الشديد لم يلحظ المواطن التواق إلى تغيير حقيقي ينقذ البلاد ويحمله إلى شاطئ الأمان، في عملية التبديل الأخيرة، أي جديد يذكر، فلا تزال دار لقمان على حالها..

ليس ثمة أدنى شك، استنادا إلى ممارسة نصف قرن من الزمن، وليس من باب التخمين أو الأحكام المسبقة، أنه حتى لو تم تعيين أخلص الشخصيات وأكفأها وسنت أبلغ التشريعات وأعدلها، لظل البلد يراوح مكانه في جو من الفساد والقمع الفشل، وذلك طالما ظلت نفس الآليات هي سيدة الموقف ونفس الدكاكين تسير دواليب الحكم من وراء واجهات ‘منتخبة’ كما هو الشأن منذ 50 سنة، مثلما برهنت عليه هذه التغييرات الجديدة والتي سابقتها، فنفس الأسلوب والآليات التي أتت بالسابقين هي ذاتها التي استجلبت اللاحقين، ونفس الجهات التي عينت المقصين هي التي رضيت بالوافدين، ولهذا فمن الضروري مصارحة الذات إذا أردنا حقا الخروج من عنق الزجاجة، والإقرار بأن المشكلة في الجزائر لم تكن يوما لا في الأشخاص ولا في النصوص بالدرجة الأولى (ليس معنى ذلك أن هذين العنصرين ليس لهما أي مفعول أو قيمة) بل جوهر المعضلة التي تنخر جسم هذه الأمة تكمن في طرق تسيير دواليب الحكم وآليات تحديد المهام وانتقاء المسؤولين. لن يستطيع أحد التستر على طبيعة الأزمة في الجزائر منذ الاستقلال، فالأزمة أزمة سياسية وأزمة شرعية، وليس خفيا على أحد أنه لم تتح أمام الشعب يوما الفرصة لاختيار حكامه بكل حرية ونزاهة وشفافية، ولم يُسْتفْتَ المواطن يوما في نمَطِ الحكم الذي سَيسُوسُه بعد الاستقلال (باستثناء الفاصل الديمقراطي بين 90 وأواخر 91 والنهاية المروعة التي وضعت حدا لهذه الفترة)، ومن ثم فكل ما تعيشه البلاد من أزمات – اقتصادية وأمنية وثقافية …. الخ- ما هي إلا نتائج طبيعية متفرِّعة عن الأزمة الأم، ولا يعقل أن نعالج الفروع ونغض الطرف عن الأصل، ويوم يكتسب الحاكم الشرعية الحقة من الجماهير عن طريق انتخابات حرة وشفافة، وليس من قوى الهيمنة في الداخل أو الخارج، عندها يمكننا أن نطمئن على مصير البلاد، أما ما دون ذلك فلا يعدو كونه نوعا من ذر الرماد في العيون ليس إلا.

لقد صرح مؤخرا أحد رجال جهاز المخابرات السابقين، والمحلل شفيق مصباح في حوار مع صحف جزائرية، بأن حكومة سلال هي نتيجة توافق بين بوتفليقة وجهاز الاستعلامات والأمن، وأن تشكيلة الحكومة لا تمثل بأي شكل من الأشكال تركيبة البرلمان الأخير، مما يبين ازدراء الرئيس تركيبة هذا المجلس لعلمه مدى تزوير نتائج تلك الانتخابات، ويضيف السيد شفيق مصباح أن ما يحدث في الجزائر، في إشارة إلى طريقة تسيير الشأن السياسي، أمر ‘طبيعي’ لأن الجهات المتنفذة لم تترك أي مجال للتحرك السياسي الحقيقي، بل استحوذت على كل الفضاءات واغلقت الأبواب.

لم تكن مشكلة التربية والتعليم على سبيل المثال في شخص بن بوزيد مهما قيل عنه، لأن ذروة المشكلة وأساسها تكمن في الآليات والجهة التي سمحت بوضع هذا القطــــاع الحساس بين أيدي بن بوزيد وأمثاله، والشيء نفسه بالنسبة لقطــاع الصحة، الذي أوكلت مهامه إلى ولد عباس رغم فساده وعدم كفاءته، فهؤلاء ليسوا إلا إحدى أثار الأزمة التدميرية، فالطامة إذن تكمن في استئمان ولد عباس صحة المواطنين، وخليدة تومي ثقافة أمة وقيمها، وهي التي ما برحت تتطاول على قيم الشعب الجزائري وانتمائه الحضاري، بل وتحاربه من على منابر شتى، فمن العبث محاولة تحليل الآثار وتجاهل أسس الداء، فمثل هذه المنهجية عبثية ومكلفة.

فلا ينكر أحد، ما عدا المتنطع والمستفيد من الوضع، أن شؤون الدولة تدار في سرية تامة، حتى صحة الرئيس وما حام حولها هذه الأيام الأخيرة من شائعات وحسابات خسيسة، تتحمل هذه السلطة المسؤولية كاملة بشأنها باعتبار أنها لا تعير أدنى اهتمام لحق المواطن في المعلومات التي تخص البلاد، ومنها صحة الرئيس، وميزانية الدولة المخصصة للأسلحة والمشاريع الكبرى التي تلتهم مليارات الدولارات ويستأثر بها عصابة لا تخضع لأي محاسبة أو مراقبة. فكل هذه الأمور الخطيرة تقررها دائرة ضيقة تعرف باسم أصحاب القرار، وهم غير مجموعة بعيدة عن الأنظار، لا يعرف عنهم المواطن إلا النزر القليل، في المقابل يوكل الجزء الظاهر في مهمة تسيير شؤون البلد لأوساط وأشخاص معينين، بناء على المحسوبية والولاء والجهاوية في إطار لعبة محسومة سلفا تدار خيوطها بعيدا عن الأضواء، ومن ثم فمن لا يمارس التملق العلني الواضح، ولا يقدم الولاء التام، مهما كانت كفاءته ومهما كانت قدراته الأكاديمية، يعتبر معارضا أو متمرّدا، وربما عدوّا مبينا، وإلا كيف يمكن تفسير الإبقاء بل والترقية في أغلب الأحيان لوزراء عمروا عقودا من الزمن وتبين فشلهم المروع بل وجرائم يعاقب عليها القانون، دون أن يقدموا أدنى حساب أو مسائلة؟.

ثم ما معنى أن يطل كل رئيس حكومة على الشعب الجزائري، كيفما كانت توجهات هذا المسؤول وانتمائه الحزبي، ليبشر الشعب الجزائري بأنه سيحتضن ‘برنامج فخامته’، فيأتي رئيس الأرندي ‘ليتشبث’ ببرنامج الرئيس، ثم يأتي رئيس الافلان ليسير ‘بثبات’ على خطى فخامته لا يزيح عنه قيد أنملة، ثم يأتي ثلاث لا من هذا ولا من ذاك ليبتز من سبقه، فيتعهد بالذوبان في برنامج الرئيس، دون أن يحترم أحد منهم ‘أنصار’ الحزب ولا البرامج التي يفترض أن تكون المفصل في تقديم هذا وتأخير ذاك؟ بل هناك من رؤساء الأحزاب والساسة من يستبق الوضع حتى قبل ‘انتخابه’ من قبل أصحاب القرار، ويخاطب الملأ أثناء الحملات الانتخابية لحزبه، ليطمئنهم بأنه سيقتفي آثار فخامته ويلتزم بتوصياته السامية ويعض عليها بالنواجذ أليس في ذلك قمة الاستفزاز للمواطنين وذروة الاستخفاف بعقولهم وكرامتهم؟ أما بالنسبة إلى من يعلل ذلك ويبــــرره، كون أن النظام المعتمد في البلاد هو نظام ‘رئاسي’، فتعليــــله يرقى إلى درجة الاستبغال، لأن في هذه الحالة، أي الوضع الجزائري، لنا أن نسأل، ما جدوى اعتماد الأحزاب وصياغة البرامج وإنفاق المليارات، ليتم في نهاية المطاف، تبني برنامج ‘فخامته’، من قبل مختلف مكونات الطبقة السياسية ‘الموالية والمعارضة’ المرخص لها؟ فلِما إذن كل هذا اللغط وإنفاق المال والجهد والوقت ليتم تبديل ‘روتيني’ لا يفقه كنهه إلا الراسخون في التدليس والحيل؟ هل هذا هو المعنى الذي يضفيه هؤلاء ‘فقهاء’ النظم السياسية على مغزى ‘النظام الرئاسي’؟ لا بد إذن والحالة هذه، من الإقرار بأن هذه الطبقة من الممارسين للنفاق والتملـــــق الفج، هي التي تشكل المرض العضال الذي ينخر جسم البلد، والشاهد الزور الذي تستخدمه العصابة المتوارية عن الأنظار لإبقاء قبضتها وتضييق الخناق على الشعب، وهو ما يجعل مسألة التغيير ملحة ومستعجلة، لأن المجتمع في خطر، وسلطته صارت مريضة ولا شفاء لها أو منها كما يقال.

رشيد زياني شريف
عضو المجلس الوطني لحركة رشاد- الجزائر
2012 سبتمبر 12

المصدر: القدس العربي