في مثل هذا اليوم، منذ 21 عاما، قُتِل محمد بوضياف في عنابة، وهو يلقي خطابا يُنقَلُ على التلفزيون مباشرة. كان عمره آنذاك 72 عاما، وكان قد استُقدِم قبل أقل من ستة أشهر ليرأس ما سُمِي بالمجلس الأعلى للدولة الذي خلف الرئيس الشاذلي بن جديد بعد انقلاب 11 جانفي 1992.

كان محمد بوضياف من أكثر الجزائريين تحمسا لثورة مسلحة لإسقاط الاستعمار، وقد قال يوما لزملائه الذين اختلف معهم حول طريقة التعامل مع الاستعمار الفرنسي، “سنُعلن الثورة المسلحة ضد فرنسا، معكم أو بدونكم أو ضدكم لو لزم الأمر”، فكان من مجموعة الستة، وهم من الأوائل الذين فكروا، وخططوا، وفجروا ثورة الأول من نوفمبر 54.

في سنة 1956، قامت الحكومة الفرنسية، وفي أول عملية اختطاف طائرة مدنية في تاريخ البشرية، باختطاف الطائرة التي كانت تقله من المغرب إلى تونس، هو وقياديين آخرين في الثورة، وظل في سجن باريسي حتى مارس 1962.

عرض عليه عبد العزيز بوتفليقة في 1961، بأمر من هواري بومدين الذي أرسله، أن يكون رئيسا للجزائر المستقلة، بدعم من جيش الحدود، فرفض ذلك رفضا قاطعا، وقبِل أحمد بن بلة، رفيقه في السجن الفرنسي، عرض ما سيُعرف لاحقا بجماعة وجدة.

في صائفة 1962، اعترض على الانقلاب المسلح على الحكومة المؤقتة الذي قامت به جماعة وجدة، التي زحفت بدبابات جيش الحدود علي العاصمة، وتصادم مع الجماعة.

وفي حين حمل زميله آيت أحمد السلاح ضد جماعة وجدة، فإن بوضياف آثر الاعتراض السلمي، ثم فر بجسده إلى المغرب عقب انكسار المعارضين أمام الثنائي المتحالف بومدين- بن بلة.

ظل هناك 28 عاما، معارضا لحكم بن بلة ثم بومدين، وبعد وفاة هذا الأخير خفت صوته تماما، وحل الحزب الذي كان يرأسه، واعتنى بأسرته وبمصنع الآجر الذي كان يرتزق منه في مدينة القنيطرة المغربية.

إلى أن ظهر من جديد قبيل انتخابات ديسمبر 91، من علي التلفزيون الرسمي، ينادي باحترام إرادة الشعب أيا كانت النتائج، وكان للجنرالات وأنصارهم رأي آخر.

أرسل الإنقلابيون له أحد أصدقائه القدامى، علي هارون، ليُقنعه أنه “الرجل الذي تحتاجه وتنتظره الجزائر، كل الجزائر”.

أستُقدم بوضياف إلى الجزائر العاصمة، سرًّا وعلى عجل، للقاء من سيصفهم، هو نفسه لاحقا، بأصحاب القرار، أي كبار الجنرالات. قبل أن يُستقبل رسميا في 16 يناير، استقبال الرؤساء، وهو التاريخ الذي كان محددا للدورة الثانية للانتخابات التي أعلِن عن إلغائها رسميا، ليرأس المجلس الأعلى للدولة. وفي حين كان يظن أنه سينقذ الجزائر، كان الجنرالات قد استقدموه لكسر شوكة الإسلاميين الذين فازوا بالانتخابات المُجهَضة.

اختلف مع هؤلاء وهؤلاء، فكان مقتله في مثل هذا اليوم من طرف أحد حُراسه من جهاز المخابرات، ويسمى مبارك بومعرافي، الذي يُعتقد أنه لا يزال يقبع في السجن، ولكن الذين كانوا مقربين منه، يكادون يجمعوا على أن الذين جاؤوا به هم الذين قتلوه، حتى ولو كان الملازم بومعرافي هو المنفذ.

ذلك أن الاغتيال السياسي أداة قهر استعملتها الجماعات العسكرية التي حكمت وتحكم الجزائر، بل وحتى في عهد الثورة، كوسيلة للتخلص من خصومها المزعجين، وقد أصبح بوضياف، بعد أسابيع من استقدامه، مزعجا حقا في نظر بعض أصحاب القرار.

قائمة أسماء ضحايا الاغتيالات السياسية طويلة جدا، لعل من أبرزهم عبان رمضان، محمد خميستي، كريم بلقاسم، محمد خيدر، علي مسيلي، قاصدي مرباح، محمد حردي، عبد الباقي صحرواي، جيلالي اليابس، أبوبكر بلقايد، سعيد مقبل، عبد القادر حشاني، يخلف شراطي، عمر أورتيلان، ميلود بديار، عبد المجيد بن حديد، صالح جبايلي، حمود حمبلي، معطوب الوناس، إلخ.

قناعتي أن محمد بوضياف، رحمه الله، كان أحد كبار الثوار الذين ساهموا في تحرير البلاد، لكنه أخطأ خطأ مميتا يوم قبل عرض الجنرالات في يناير 92، وعمره قد جاوز السبعين، وهو الذي رفض، عن حق وصدق، عرض العقداء في 61.

محمد العربي زيتوت
29 جوان 2013