نظرا لأهمية الوقف الاسلامي عموما عبر العصور بما له من طبيعة بناءة ومستقرة وشاملة، يمكنه أن يكون اليوم الركن الاقتصادي الركين في إسناد و دعم الأقليات الإسلامية في الغرب عموما على اختلاف مذاهبها، الأمر الذي يمكن جاليتنا من تنظيم شؤونها واستقرار مؤسساتها. وعملا بمبدأ “الوقف باق أصله ودائمة منفعته”، نظمت ندوة دولية تحت عنوان “دور الوقف في تنمية الأقليات الاسلامية في أوروبا”، أيام 25 و26 ديسمبر2014 ، برعاية كل من البنك الاسلامي للتنمية بمدينة جدة السعودية والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، وقد حضر المؤتمر ممثلون ومهتمون بالموضوع من جل بلدان القارة الأوروبية وكذا ممثلون عن وزارات الأوقاف والشؤون الاسلامية بدول الخليج العربي، ونسق اليومان الدراسيان كل من” الهيئة الخيرية الأوروبية” و”مؤسسة الوقف” بمدينة لاشودفون بمقاطعة نيوشاتيل السويسرية.

و بعد تلاوة عطرة من آيات القرآن الحكيم ، فسح المجال للكلمات الرسمية الترحيبية، إذ افتتح الجلسة ممثل مؤسسة الوقف الاوروبي، ثم أحيلت الكلمة لممثل البنك الاسلامي للتنمية الدكتور العياشي فداد، وممثل الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت الباحث جراح ابراهيم، لتنطلق أشغال الندوة في موعدها بحمد الله وتوفيقه، وفق المحاور الرئيسة التالية:

– مؤسسة الوقف في الحضارة الاسلامية: المقاصد – المقاربات الفقهية – التنظيم والتطور
– مؤسسة الوقف في أوروبا، الواقع وآفاق المستقبل (حلقة نقاش عامة حول تطوير الأوقاف في أوروبا. )
– تجارب رائدة في إدارة واستثمار الأوقاف (الوقف الأوروبي، الوقف الدانماركي، البنك الإسلامي للتنمية، الأمانة العامة للأوقاف الكويتية، وقف الرسالة الاسكندنافي، .. )

و من بين الشخصيات المشاركة من خارج أوروبا، الدكتور علي القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، و عبد الله بن محمد المبرز ممثل الندوة العالمية للشباب الاسلامي، والدكتور مطلق القراوي امين عام الوقف الاسلامي بهولندا ووكيل وزارة الاوقاف الكويتية سابقا ، والدكتور العياشي فداد ممثل البنك الاسلامي للتنمية رفقة الدكتور عبد الله محمد من السعودية ، والاستاذ خليفة الكواري مستشار وزير الاوقاف القطري، والباحث جراح الزايد ممثل الأمانة العامة للأوقاف بالكويت رفقة الاستاذ عبد الله سالم ممثل (مجلة أوقاف) الكويتية..

مداخلة الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت:

وفي بداية تدخل ممثل الأمانة العامة للأوقاف، قال أنه تتويجاً لمسيرة التنمية المستدامة والأهداف السامية “بدأت الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت بالعمل وفق خطة استراتيجية ورؤية حديثة ألا وهي التميز في إستثمار الوقف وصرف ريعه وتعزيز ثقافته بشراكة مجتمعية فاعلة وفق الضوابط الشرعية”، مبرزا أن دولة الكويت ترعى الآن 16 مشروعا وقفيا، منها مشروع (مداد) لنشر وتوزيع وترجمة الكتب في مجال الوقف ومشروع دعم طلبة الدراسات العليا في مجال الوقف ومشروع مسابقة الكويت الدولية لأبحاث الوقف. وذكر الباحث أن الكويت ترعى أيضا مشروع (مجلة أوقاف) ومشروع منتدى قضايا الوقف الفقهية ومشروع (نماء) لتنمية المؤسسات الوقفية ومشروع (قطاف) لنقل وتبادل التجارب الوقفية ومشروع (القانون الاسترشادي للوقف) ومشروع (جائزة الأمانة العامة للأوقاف للتميز والإبداع الوقفي).

واشار ايضا الى رعاية الكويت ايضا لمشروع (بنك المعلومات الوقفية) ومشروع (كشافات أدبيات الأوقاف) ومشروع (مكنز علوم الوقف) ومشروع (قاموس مصطلحات الوقف) ومشروع (معجم تراجم أعلام الوقف) ومشروع (أطلس الأوقاف في العالم الإسلامي) ومشروع (مسابقة الكويت الدولية لتأليف قصص الأطفال).

واكد على أهمية مؤتمر (دور الوقف في تنمية الاقليات الاسلامية في أوروبا) كأحد مشاريع الامانة العامة الذي يحمل اسم (قطاف) لنقل وتبادل التجارب الوقفية والذي يسعى إلى تسليط الضوء على التجارب الناجحة في مجالات العمل الوقفي ونقلها وتبادلها بين دول العالم الإسلامي من خلال عقد سلسلة من الندوات وورش العمل التي تعرض هذه التجارب الوقفية المعاصرة كنماذج للتأسيس والاقتداء بها وتعميم نجاحها في مجال الوقف لتكون أداة فاعلة تتولى مهمة النهوض بالدور التنموي للوقف في مجتمعاتها.

مداخلة “البنك الإسلاميّ للتنمية”:

ثم جاء دور مداخلة “البنك الإسلاميّ للتنمية” ، حيث تداول عليها الخبير الجزائري الدكتور العياشي فداد والموريتاني الدكتور عبد الله محمد، فكانت المداخلة بعنوان “البنك الإسلاميّ للتنمية” (الرؤية والنشأة والرسالة). مبينين أن “البنك الإسلاميّ للتنمية” مؤسسة ماليّة دوليّة عريقة أنشئت تطبيقاً لبيان العزم الصادر عن مؤتمر وزراء مالية الدول الإسلاميّة، الذي عُقد في ديسمبر 1973 بمدينة جدّة. وهو يتطلّع إلى أن يكون، بحلول عام 1440هـ (2020م)، بنكاً إنمائيّاً عالميَّ الطراز، إسلاميَّ المبادئ؛ وأن يكون قد ساهم كثيراً في تغيير وجه التنمية البشريّة الشاملة في العالَم الإسلاميّ وساعد هذا العالَمَ على استعادة كرامته، إذ تتمثل رسالته في النهوض بالتنمية البشريّة الشاملة، ولا سيما في المجالات ذات الأولويّة وهي: التخفيف من وطأة الفقر، والارتقاء بالصحة، والنهوض بالتعليم، وتحسين الحوكمة، وتحقيق الازدهار للشعوب.

أما الجهات المعنية بالأوقاف ضمن مجموعة البنك الاسلامي للتنمية فهي:

• صندوق التضامن الإسلامي
• صندوق وقف البنك
• صندوق تثمير ممتلكات الأوقاف
• المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب
• الهيئة العالمية للوقف

و قد ركز الدكتور عبد الله على أن عمليات الصندوق، تقوم على استراتيجية دعم الدول الأقل نموا من بين الدول الأعضاء في مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، وتمويل القطاعات التي تسهم بشكل مباشر في تحقيق النمو للفقراء وتنمية رأس المال البشري.

أما الدكتور العياشي فقد عرج من جهته على رؤية المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب موضحا بأن المعهد يتطلع إلى أن يكون مركزاً للتميز في الاقتصاد الإسلامي والمصرفية التمويل الإسلامي، وبناء القدرات، وإدارة المعرفة والمعلومات وخدمات الاستشارات، مذكرا بأهم مشروعات التعاون مع الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت الشقيق، منها:

• إنشاء بنك معلومات الوقف الإسلامي.
• تنمية الدراسات والبحوث ذات الصلة بالدور الحضاري والتنموي للوقف.
• مشروع برنامج كشاف أدبيات الوقف، ثم الكشاف الجامع.
• مشروع برنامج توثيق التجارب الوقفية.
• مشروع تأهيل وتدريب العملين في الوقف، في الدول الإسلامية.

مختتما كلمته بقوله أن “البنك الاسلامي للتنمية قد وضع من بين مجالات التركيز الاستراتيجي التي حددها ضمن رؤيته للاستفادة من مؤسستي الوقف والزكاة في مجالات هامة مثل تخفيف حدة الفقر والارتقاء بالصحة و تعميم التعليم وتحقيق الازدهار للشعوب”.

مداخلة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين:

مداخلة الاتحاد العالمي قدمها أمينها العام الدكتور علي محي الدين القره داغي، تحت عنوان “تنمية موارد الوقف والحفاظ عليها” ( دراسة فقهية مقارنة)، مذكرا بقوله ” أن من يقرأ تأريخ الوقف ليجد أنه شمل مختلف جوانب الحياة من الجامعات والمستشفيات إلى الأوقاف الخاصة بالحيوانات ( مثل خيول الجهاد ) التي لم تعد صالحة للاستعمال فحينئذٍ تُحال إلى المعاش وتصرف لها أعلافها وما تحتاج إليها من هذه الأوقاف، إلى الأوقاف على الأواني التي تنكسر بأيدي الخادمات حتى لا تعاقب فيجدن بدائل عنها في مؤسسات الوقف “.

لذلك فإعادة دور الوقف تعني إعادة دور كبير للجانب الطوعي المؤسس لخدمة الحضارة والتقدم ولخدمة تنمية المجتمع وتطويره.

ومن هنا كان بحث الدكتور قرداغي في مجال تنمية موارد الوقف والحفاظ عليها، حيث تطرق إلى تنمية القائمين على الوقف، والحفاظ على أمواله ، وأحكام الاستبدال ، ثم الاستثمار وطرقه القديمة ، ووسائله المعاصرة ، ثم تطرق إلى دور الشخصية الاعتبارية للوقف ـ التي سبق بها الفقه الإسلامي ـ في تطوير الوقف و تنمية موارد الوقف يعنى بها : بذل كل الجهود الممكنة بجميع الوسائل المتاحة لزيادة موارد الوقف وتكثيرها عن طريق الاستثمار ونحوه فـ”الوقف في حقيقته تنمية للإنسان ، وعمارة للأرض وحضارة للأمة” على حد تعبيره، شارحا أن هذه التنمية تقتضي الحديث عن أربعة أشياء هي في حقيقتها مكوناتها وهي

أولاً : تنمية القائمين على الوقف من خلال الارتقاء بهم ارتقاءً شاملاً للجوانب الروحية والنفسية والفكرية والإدارية والتخطيطية حتى يكونوا قادرين على التخطيط الدقيق لتنمية الأوقاف { إن خير من استأجرت القوي الأمين }.

ثانياً : الحفاظ على أموال الوقف حيث نصّ الفقهاء على أن إعطاء الأولوية من ريع الوقف لإصلاحه وترميمه وصيانته وعمارته، والحفاظ على كلّ نوع من أنواع الوقف بما يناسبه.

ثالثاً : استبدال عين الوقف في حالات الهدم والخراب، أو عدم الانتفاع ، أو الهجر ، أو رجاء منفعة أكبر ، أو الإتلاف أو الحاجة إلى التعمير مع عدم وجود مورد له ، أو الخوف من الغلبة عليه، أو نحو ذلك.

رابعاً : تنمية موارد الوقف عن طريق الاستثمار، حيث أنه واجب كفائي على الأمة للأدلة المعتبرة.

ثم تطرق الشيخ قره داغي إلى بيان العلاقة بين الوقف والاستثمار ، ثم ذكر أهم طرق استثمار الوقف قديماً وحديثاً موضحا أنه رجع من خلال البحث إلى كتبنا الفقهية وآراء سلفنا الصالح فوجد فيها “المرونة الكافية في التعامل مع الوقف مما يسهل للقائمين على الوقف أن يقوموا بتطوير الوقف وأمواله وأدواره “.

من التجارب الرائدة في إدارة واستثمار الأوقاف:

من التجارب الرائدة في إدارة واستثمار الأوقاف كانت كلمات و تدخلات عديدة و تنوعة منها مداخلة متميزة للأستاذ خليفة الكواري مستشار وزير الاوقاف القطري متبوعة بدراسة قانونية للأستاذ الزبير تومي عن “مؤسسة ميثاق” حول الوقف و القانون السويسري، و كلمة الشيخ عبد الحميد الحميدي عن “تجربة الوقف الدانماركي”، و مداخلة الاستاذ حسين الداودي عن قف الرسالة الاسكندنافي، الذي قدم ورقة مفصلة مطولة عن تجربته الشخصية في العمل الخيري بالسويدي الذي انطلق بتبرع بسيط من بنك الراجحي، مداخله بعنوان” رؤية عصرية للعمل الخيري: الادارة والاستثمار”، و قد أكد الداودي بعد عرض مستفيض لتجربة الوقف في الدول الاسكندنافية أن الوقف الاسكندنافي يسعى “لبناء نموذج مؤسسي متميز قادر على المنافسة يستهدف أبناء الاقليات المسلمة”، مفتخرا بنجاح عملية الوقف في العديد من مشاريعهم ليس فقط في السويد وحدها بل في جل دول الجوار كفنلندا و الدانمارك و النرويج و أيسلندا و إستونيا التي تعد حساباتها مجتمعة اليوم بالملايين من الكرونات ، ثم أنهى الأستاذ الداودي مداخلته بتعداد أهم إنجازات مجموعة الرسالة للوقف الاسكندنافي المتمثل خاصة في سلك “التربية و التعليم” و ” الثقافة و التواصل الحضاري”.

و اختتمت الندوة بتوصيات منها خصوصا :

. ـ انشاء فكرة الوقف وتطويره
. ـ تنسيق العمل الوقفي في أوروبا
. ـ تدريب وتطوير العمل الوقفي في أوروبا
. ـ انشاء هيئة الاستشارات للأعمال الخيرية والانسانية
. ـ دعم وتمويل المشاريع الوقفية وتنمية الكفاءات

محمد مصطفى حابس
5 يناير 2015