“نحن لم نهاجر مجذوبين إلى هنا ولكن مدفوعين من هناك..
إن بلدنا ليس وطناً نعيش فيه ولكنه وطن يعيش فينا..
إننا نهاجر حيث نستطيع أن نكسر حواجز الصمت..”

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، يعاني المسلمون في أمريكا من صور سلبية تروجها وسائل الإعلام المغرضة. حينها برز بعض المثقفين المتنورين في المجتمع لصد هذه الهجمة الشرسة وقرروا كل حسب موقعه ومسؤولياته مواجهة هذا التمييز الظالم بالعمل الهادئ لشرح معالم الإسلام السمحة قصد التعايش السلمي مع أبناء الوطن الواحد والانفتاح على المحيط بالعمل الاجتماعي وخدمة المحتاجين.

من هؤلاء الدعاة العاملين، أبَّنت الجالية المسلمة في أمريكا هذا الأسبوع المرحوم الدكتور ماهر حتحوت الذي رحل في صمت في المدة الأخير، بحيث غطت على وفاته أحداث الغرب المتوالية، بداية من أحداث “شارلي إبدو” بفرنسا و مرورًا بأحداث “الدانمارك” ووصولا إلى “جريمة شمال كارولينا” التي كان من ضحاياها 3 طلبة مسلمين أبرياء.

نعم هكذا تشاء الاقدار أن يرحل الدكتور ماهر في هذه الظروف ليلتحق بشقيقه الأكبر المفكر والمنظر الكبير الدكتور حسن حتحوت الذي وفاه الأجل هو أيضا في دار الغربة بلوس أنجلوس الأمريكية عن عمر ناهز 85 سنة، وتحديدا يوم 26 – 4 – 2009 وودعته يومها الأمة الإسلامية، والدعوة الإسلامية في يوم مشهود. كتبت عنه العديد من الأقلام وأبَّنته شخصيات وهيئات ببيانات منها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بقوله ” تودع الدعوة الإسلامية علما من أعلامها الفارعة، ونجما من نجومها الساطعة، ولسانا من ألسنتها الناطقة بالصدق، وعقلا من عقولها المفكرة بالحق، وقلبا من قلوبها النابضة بالحب”، وقال آخر “ودّعت الجالية المسلمة الطبيب النابغة، والعالم المتمكن، والكاتب البليغ، والشاعر المطبوع، والداعية المؤثر، والإنسان الرائع”. رحل بعد عمر حافل بالعطاء بلا منّ، وبالجهاد بلا كلل، وبالبذل بلا انتظار مكافأة من أحد: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى}”، على حد تعبير البيان.

وقد وصف هو نفسه هذه الحياة بقلمه، فقال عنها “إنها حياة ليس فيها مجال للملل، ولم يكن فيها للعبث مجال، يمد الناس أيديهم ليأخذوا، وأمد يداي لأعطى!” وها هو يلتحق به شقيقه الأصغر الدكتور ماهر حتحوت الذي يؤمن هو أيضا كشقيقه الأكبر بالتعايش والتسامح بين الأديان والتقارب بين المذاهب بقوله “إن هذا الدين هو سفينة الإنقاذ للبشرية، وفيه خلاصها مما تعانيه من الفلسفات المادية والإباحية، ومن أخطار الأيدولوجيات والأنظمة الوضعية التي أشقت البشر، ومن طغيان الأقوياء على الضعفاء الذي يهدد العالم”. ومع هذا لا يدفعه هذا الاعتزاز والالتزام إلى التعصُّب ضد الآخرين، أو التنكر لحقوقهم، أو الإزراء عليهم، بل نجد موقفه القديم مع الأقباط ــ نصارى مصر ــ في غاية العدل والإنصاف، منطلقا من القرآن الكريم الذي أمر ببرهم والإقساط إليهم {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8)، ومن السنة النبوية التي أوصت بأقباط مصر خاصة، في عدد من الأحاديث.

محطات في حياة الفقيد

ولد وعاش المفكر ماهر حتحوت في بيئة تربوية مزهرة و ترعرع ورضع منها لبن التسامح والإخاء رغم الاستعمار الإنكليزي الغاشم، وها هو يعرفنا بنفسه بقوله “وُلدت في القاهرة وإن كانت العائلة من أصول ريفية، كان والدي مدرساً للغة الإنجليزية، ولكنه كان من المغرمين باللغة العربية، وكان شاعراً مُجيداً وقد أثرى حياتي بما سمعت منه من شعر ومن أدب، كانت أمه امرأة من الريف، ولكنها “كانت سابقةً لعصرها وكانت من أوائل نساء مصر اللائي خرجن في مظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي في ثورة عام 1919، حيث كان خروج المرأة في الريف خصوصاً ليس مألوفاً”. نشأ إذن على سماع القصائد وعلى سماع قصص الثورة. يقول في مذكراته: “أذكر وأنا طفلٌ صغير وكنت تحت إدارة عائلية صارمة تريد أن تربينا تربية مستقيمة صحيحة ملتزمة، ولكن كان فيَّ رغبة نزوع إلى الشارع. إلى الحركة والتمرد وكان أول صدام لي مع السلطة كان بسبب بائع قصب السكر مع شرطي الدورية”.

ومع أن تأثر الدكتور ماهر بشخصية والده واشتغاله بشؤون اللغة العربية واللسانيات وكتابة الشعر، غير أن حكمة والدته لعبت دورًا أساسيًا في تصوير توجهاته الدراسية والمهنية نحو دراسة الطب، فالتحق بكلية الطب بالقاهرة، وخلال فترة الدراسة بالجامعة تعرض للسجن خلال مرحلة الحكم الناصري نتيجة لنشاطه الإسلامي السياسي، وانقطع عن الدراسة لفترة ثم عاد لاستكمالها، وفي هذه المرحلة يقول الدكتور ماهر “التقيت زوجتي كطالبة في الكلية، وتعارفنا ثم تآلفنا، ثم تحاببنا، ثم تواعدنا على الزواج، وتزوجنا وأنجبنا، وصرنا جداً وجدة والحمد لله”.

بعد التخرج عمل في مجال الطب بمستشفيات القاهرة، غادر بعدها مصر إلى الولايات المتحدة طمعاً في ممارسة مهامه الدعوية، أوائل الثمانينيات واستمر الدكتور ماهر في اشتغاله في عمله كمتخصص في أمراض القلب في عيادته الخاصة بمدينة (دوارتِكِ) بكاليفورنيا ثم اشتغل بالتدريس بجامعة (لوناليندا). بعدها ترك مهنة الطب تماما وتفرغ للعمل الخيري والدعوي تفرُّغاً كاملًا.

اشتغاله بالعمل الدعوي والإسلامي في أميركا

في عام 1988 ساهم الدكتور ماهر حتحوت في تأسيس “جمعية الحوار الإسلامي الكاثوليكي”، وهو عضو في المؤتمر السلمي للسياسات الخارجية، وهو الناطق باسم المركز الإسلامي في جنوب كاليفورنيا، ولقد انحصرت كل اهتماماته من خلال المركز لتقديم صورة مشرفة للدين الإسلامي عبر محاضرات وندوات ولقاءات، وسافر للعديد من دول العالم للمشاركة في ندوات، وللدكتور حتحوت مؤلفات عديدة خصها للتعريف بالدين الإسلامي وحقوق الإنسان، ومفهوم الديمقراطية برؤية إسلامية مستنيرة.

ومن ميزات تفكيره، أنه يرى على العاملين في الغرب مراعاة خصوصية التربة التي يعملون فيها، بل يذهب أبعد من ذلك – الأمر الذي يعارضه فيها بعض الإخوة معه – بحيث يرى أن الإسلام في أميركا يجب أن يكون هوية إسلامية أميركية، كما أن هناك هوية إسلامية فرنسية أو هوية إسلامية هندية. فأصبح يدعو لهذا الطرح بقوله “من أهم الأشياء أن يتمكن الداعية المسلم وأن يتواصل مع قادة الأديان الأخرى في حوار المقصد منه لا أن نقنع بعضنا البعض بتغيير الدين، ولكن أن نعرف الحقيقة، لأن معرفة الحقيقة هي الخطوة الأولى تجاه الإنجاز الحقيقي لترسيخ القيم الدينية في مجتمعٍ ما”.

ومن أهم مميزات عمله حرصه كذلك على بعث آلية للتواصل مع الأجيال الصاعدة الجديدة وإعطاء المرأة المسلمة حقها ومكانها اللائق، بحيث يقول ” نحن نتحدث دائماً عن كيف كرَّم الإسلام المرأة بينما المسلمون لا يكرِّمونها”. “ولما تعددت الأنشطة كان لابد من النشاط السياسي فُرِضَ هذا علينا في الواقع بحكم طبيعة الإسلام أولاً، بحكم طبيعة الأرض التي نعمل عليها ثانياً، ثم بحكم تسارع الأحداث خاصة من بعد الثورة الإيرانية ثم الانتفاضة الفلسطينية، وعملية أخذ الرهائن، وعملية الهجوم البشع في الإعلام على الإسلام، وجدنا أن النشاط السياسي والإعلامي يصبح جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في هذا المجال.”

حصاد الغربة مر، لكننا هاجرنا لنكسر حواجز الصمت عن قضايانا

عُرف المرحوم في وسائل الإعلام الأميركية أنه من أكثر الذين ينفتحون على أبناء الديانات الأخرى والحوارات مع الجاليات اليهودية والمسيحية، رغم ذلك وقعت له حوادث مع نفس هذه الجهات، حيث كان قد أُعطي “جائزة العلاقات الإنسانية” عام 2006 في لوس أنجلس لكن حدثت ضجة كبيرة على منحه الجائزة من بعض الجماعات اليمينية الموالية لإسرائيل التي قالت بأنه “كان قد تلفظ في بداية الانتفاضة بعبارات ضد إسرائيليين بوصفهم بالجزارين، وبدولة الفصل العنصري”. وكانت هناك محاولة للتراجع عن إعطائه الجائزة. ووجد المرحوم نفسه حينها في موقف المدافع ليؤكد أنه “لا يكره إسرائيل أو الشعب اليهودي لكنه يكره الطغيان والظلم”، رغم ذلك كانت الاعتراضات من بعض رموز الجالية اليهودية ضده واضحة تريد عدم منحه الجائزة، لكنه كان هناك مَن دافع عنه من القساوسة والحاخامات اليهود، ومنحت له الجائزة بعد شد وجذب”.

أما عن هجرته لأمريكا، فيقول: “نحن لم نهاجر مجذوبين إلى هنا ولكن مدفوعين من هناك. وإن بلدنا (مصر). ليست وطناً نعيش فيه ولكنه وطن يعيش فينا” و”إننا نهاجر حيث نستطيع أن نكسر حواجز الصمت”.

وعلى ذكر “كسر لغة الصمت”، التي ينشدها كل من هُجر مكرها من بلده، يطيب لنا نختم هذه المقالة بالترحم عليه مقتبسين مقتطفات من قصيدة شهيرة كتبها منذ سنوات تحت عنوان “لغة الصمت”، يقول فيها:

مَنْ منكم يفهم لغة الصمت
كي أسمعه ألف قصيدة
خالية من نبرات الصوت
أحرفها جمر التنهيدة
مُنْ قال بأن الشعر كلام
الشعر شعور وجداني
يسكب في شريان الحرف
فالأحرف نور نوراني
والكلمة دنيا من أحلام
لا يكبحها سور الخوف
فلئن قهر الخوف الكلمة
فلنتحصن خلف الصمت
فلنخلع عن ألسننا الصوت
ولنترنم دون كلام
ولنتصافح دون سلام
فالكلمة إن تسلبها الصدق
تحكم فيها بالإعدام
فلنتكلم ولنتكلم

والسلام عليكم ورحمة الله.

محمد مصطفى حابس
3 مارس 2015