ارتقى إلى الرفيق الأعلى اليوم الثلاثاء 24 مارس 2015 ، بعد مرض مزمن العالم الموسوعة بعلم بالدين والدنيا، الصابر على ظلم البلاد والعباد في تونس الشقيقة، أستاذنا المرحوم الدكتور المنصف بن سالم، ترجل هذا الفارس العالم المقدام ، والمناضل المرابط الصادق ، والعالم الموسوعة الجليل ارتقى في صمت إلى بارئه يشكو ظلم الطغاة، إلى روح وريحان وجنة رضوان . نحسبه على خير كثير ولا نزكي على الله احدا وإنا لله وإنا إليه راجعون.. نقول هذا الكلام لأن الإعلام التونسي لم يسلط الضوء بما يكفي على قصة حياة هذا الرجل رغم أهميتها. ولعل توقيت هذه القصة وسط أحداث سياسية شاحنة كمجرة “باردو” التي ذهب ضحيتها سياح أبرياء ، جعلها أقل أهمية في نظر الإعلام المأجور مقارنة بهذه الأحداث.

تزكية البروفيسور محمد بوجلخة في الثمانينات لزميله في التخصص

يعود تاريخ معرفتي بالبروفيسور المنصف بن سالم إلى نهاية ثمانيات القرن الماضي ، لما كان قادة “حركة النهضة الإسلامية أو الاتجاه الإسلامي” التونسي في ضيافة الشعب الجزائري، فرارا من مخالب بطش حكومة بن علي الفتية وإجرام زبانيتها في حق عائلات تونسية برمتها، إذ كان الشيخ راشد الغنوشي يذكر لنا رفقة بعض مشايخنا أسماء إخوانه المعتقلين ظلما وعدوانا في سجون تونس، وكذا محن بعضهم الآخر من الذين انقض عليهم بوليس بن علي، منهم المرحوم الدكتور منصف بن سالم.. و كان شيخنا الدكتور محمد بوجلخة قد أثنى لنا في إحدى المرات عن عالم رياضيات تونسي من المتفوقين جدا في تخصصه، إسمه المنصف بن سالم .. بعدها تعرفت على ملف هذا العالم وقصة حياته ومعاناته بتفاصيلها تقريبا في أروقة الأمم المتحدة بجنيف مع الجمعيات والمنظمات الحقوقية والإنسانية التي كانت تسعى لإخراجه من سجنه الصغير والكبير في نفس الوقت، وكان قد حدثني عنه وعلى صبره واحتسابه بن أخته أخونا نور الدين العويديدي الصحافي حينها في القدس العربي بلندن ثم قناة الجزيرة القطرية، حاليا مدير قناة المتوسط التونسية..

المفكر الطيب برغوث، يقدم له كتابا عن قصة معاناته المريرة قبل سقوط بن علي

تحت عنوان، “جناية الاستبداد على مصائر الأفراد والمجتمعات – قصة العالم الرياضي التونسي الدكتور المنصف بن سالم” وهو مخطوط لم ينشر بعد منذ سنوات قبل الثورة التونسية، يقع في حدود الـ 80 صفحة، إذ كتب المفكر الجزائري الطيب برغوث عن شقيقه التونسي المفكر المنصف بن سالم، مفتتحا مقدمته بقوله: “منذ بداية الأسطر الأولى في هذه الشهادة التي يقدمها لنا الدكتور المنصف بن سالم، وحتى نهايتها، يحس القارئ بل يعيش بكل قواه غمَّة الاستبداد و فضاعة مآلاته الفكرية والاجتماعية والسياسية والحضارية، ويفجِّر في نفسه بركانا من السخط والنقمة على المستبدين وأعوانهم، بما يحدثه هذا الاستبداد من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان الفردية، وهدر لفطرته وكرامته الآدمية، وما ينتج عن ذلك كله من انتهاكات أخطر لحقوق المجتمع، وهدر لشروط انسجامه الاجتماعي، وعبث بإمكانيات تطوره الحضاري، وخاصة عندما يمس الاستبداد نخبة المجتمع ومصدر العبقرية فيه، التي بذل هذا المجتمع من أجل بنائها وتهيئتها للعطاء له، والنهوض به، وافتكاك مكانة محترمة له في عالمه وعصره، الكثير من موارده وإمكاناته الثمينة، فلما استوت عبقرية هذه النخبة على سوقها، وتهيأت للعطاء الاجتماعي، امتدت إليها آلة الاستبداد العمياء لتعطلها وتبددها وتحرم المجتمع من خدماتها”، مختتما افتتاحيته بإقرار أن “هذه الشهادة تفيدنا أيضا من حيث أنها تقدم لنا نموذجا حيا عن إرادة النجاح في الحياة، وأخلاق المجاهدة الفكرية والنفسية والسلوكية التي ترتبط بذلك وتشترط تحقيقه، فحياة الدكتور المنصف سلسلة متلاحمة الحلقات من الكفاح الشريف من أجل النجاح، وصيانة الكرامة، وتحقيق الذات التوَّاقة إلى العزة والنفع الاجتماعي العام، الذي يمتد ليستوعب خدمة المجتمع والأمة والإنسانية عامة، تجاوبا مع عالمية الإسلام وإنسانيته التي تتجلى في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

الدكتور منصف بن سالم، صاحب هذه المسيرة العلمية الحافلة

والمنصف بن سالم من مواليد 1953، ذو سيرة علمية حافلة و هو في بداية الثلاثينات من عمره، إذ حصل على دكتوراه دولة في الرياضيات من أكاديمية العلوم بباريس ودكتوراه دولة في الفيزياء، ودبلوم في الهندسة الآلية، وأستاذ مشارك في المركز الدولي للفيزياء النظرية، وعضو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومقرر في المركزية الدولية للرياضيات ببرلين، وعضو اتحاد الجامعات الناطقة كليا أو جزئيا باللغة الفرنسية، وعضو المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، وعضو اتحاد الفيزيائيين والرياضيين العرب، ونائب رئيس مؤتمره الرابع، وعضو في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وعضو اللجنة الوطنية للبحوث العلمية في تونس، وأستاذ الرياضيات والفيزياء بكلية العلوم والهندسة في مدينة صفاقس ومعهد الرسكلة والتكوين المستمر بتونس.

الدكتور منصف، لم ينصفه وطنه و خذله شعبه

الدكتور منصف بن سالم، صاحب هذه المسيرة العلمية، لم ينصفه وطنه تونس، وكان أحد أبرز ضحايا الاستبداد، فقد تم سجنه في 16 نوفمبر 1987 سنة ونصف السنة، ثم قضي ثلاث سنوات في السجن بسبب حديث صحفي مع صحيفة المنقذ الجزائرية سنة 1990. ومنذ خروجه من السجن نهاية سنة 1993 خضع للإقامة الجبرية في منزله بدون أي حكم قضائي تحت مراقبة ثلاث فرق أمنية تتناوب على حراسة منزله على امتداد 24 ساعة حتى نهاية سنة 2001، و تم منعه من المشاركة في تشييع جثمان والدته رحمها الله ، كما تم قطع هاتفه المنزلي لمدة أربع سنوات، وعزله عزلة تامة عما يدور خارج منزله المحاصر، والتضييق عليه في تحصيل لقمة العيش، مما اضطره لبيع خضر من منتوجات حديقته الخاصة في “برويطة” لم تكن قادرة على حمل شهائده ومنتوجاته لو أتيحت له فرص الإنتاج والإبداع وتنوير العقول ونحت تجارب مشابهة لتجربته العلمية. بل وعمل نظام بن علي على مصادرة أية مبالغ مالية تصله من أصدقائه أو من الجمعيات العلمية التي كان مساهما وفاعلا فيها مما أدى إلى تردي حالته الصحية بشكل ملحوظ كما تم منعه وأبناؤه من الحصول على جوازات سفر. وقد لا يتسع المجال لذكر حجم معاناه الدكتور من حقد، وتنكيل، وعنت من الحاكم الجاهل وزبانيته مما خلّف لديه أمراضا قد يكون مردّها سوء المعاملة والسجون ومكاتب الإيقاف التي مر بها، وقد يكون تعرض لمؤامرة لتدمير صحته من خلال غذاء أو دواء سرب له خلال تلك الفترة السوداء من تاريخ تونس .

وزيرا للتعليم العالي مكرها لا راغبا بعد الثورة

يطول الحديث عن محنة البروفيسور اللامع والعقل الفذّ وصاحب القيمة العلمية الثابتة، فالرجل أمضى 23 سنة وهو تحت براثن الظلم المركّب والقهر الملوّن وسياسات التشفي والانتقام، وما تزال محنة هذه المنارة العلمية لم تضع أوزارها، إلا بعد الثورة التي فك أسر أمة من طغيان حكام جبارين لا يخافون في الله لومة لائم، ليترشح بن سالم لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي في قائمة حركة النهضة، وفاز بذلك، ثم عين وزيرا للتعليم العالي في حكومة حمادي الجبالي، ثم في حكومة علي العريض، من أبرز مهامه في الوزارة إقالة 78 مديرا جامعيا بسبب إكتشاف حولي 150 ألف قضية فساد، وإنجازات نوعية أخرى إلا أني حدثت بعض الاخوة في الحكومتين أن مكان الدكتور منصف ليس الوزارة ولا العمل السياسي اليومي المنهك لصحته، أتركوه كخبير ومنظر متفرغ وسيكون نفعه أكبر للأجيال، لكن ما شاء الله قدر فعل.

فصول محنة 23 سنة من الإبتلاء و المحن

وهذه بعض فصول محنته التي مرّ بها منذ 23 عاما أي منذ 1987، والذي يرد فيها الدكتور منصف بن سالم بلسانه نقلا عن “السبيل أونلاين” والتي عثرت عليها في أرشيف بعض جمعيتنا الحقوقية، إذ يقول رحمه الله:

” كيف يمكن أن أفصّل في هذه المعاناة الطويلة! ..بقيت في الإقامة الجبرية والتي استمرت أكثر من ثماني(8) سنوات ، حبيسا في بيتي في درجة أقل من الحيوان، محروما من كل شيء ، حتى أبنائي حُرموا من المنح ومن حريتهم، ولكي يسمع العالم جانب من الظروف التي مررت بها، بعد أن كنت أحاضر في الجامعات الأمريكية والأوروبية، أصبحت أستغل مساحة صغيرة من الأرض في بيتي لأنتج بعض الخضروات، يحملها أبنائي لبيعها في السوق ولكن البوليس يفتكها من بين أيديهم..

عندما انتهت المراقبة الإدارية، ذهبت للبحث عن أي عمل يعيلني وأسرتي، وقد كتبوا في بطاقة التعريف (الهوية) دكتور دولة في الرياضيات غير مباشر، وهذه العبارة تعني أنه كان سجين سياسي فاحتاطوا منه، فالبوليس يلاحقني، والذي أشتغل معه يحتاط مني! … رضيت أن أعمل في بعض الحقول الفلاحية، فذهب إلى منطقة سليمان والتي تبعد عني حوالي 200 كلم، وأجّرت ضيعة (سانية) لأعمل فيها كفلاح، ولكن للأسف الشديد تفطن البوليس إلي وجودي في المكان… تركوني أعمل في الضيعة ولكنهم كانوا يراقبونني يوميا، وبعد أن دفعت فيها حوالي 7500 دينار، وأوشكت على جني الإنتاج، تمّ تخريبها تخريبا فضيعا وعبثوا بالمحصول، فحملت أغراضي وعدت إلى بيتي دون تحصيل ولو دينارا واحدا .

أعدت الكرّة مرة ثانية في مدينة بنزرت، والتي تبعد عني حوالي 350 كيلومتر، وفي هذه المرّة استأجرت “السانية” ليس باسمي ولكن باسم أحد أقاربي، وتكرر نفس ما حدث معي في سليمان، فخرجت بخُفي حُنين، بعدما دفعت في الضيعة ما دفعت من السُلفة والاقتراض، وأُجبرت في الأخير على بيع ممتلكات زوجتي لدفع الديون.. ”

العالم الذي حطّم الأرقام القياسية منذ عهد نابليون إلى اليوم

هذه عينات مما عاناه وعانته عائلته، إذ يقول “قد أكون محظوظا نظرا لكوني مشهورا ومعروفا في العالم لدى المنظمات العالمية والمنظمات الحقوقية والكثير من الجهات الدولية، والتي وقفت إلى جانبي لتخفف من آلامي ومحنتي، ولكن ماذا نقول عن غيرى والذين يعدون بالآلاف، فالله أعلم بأحوالهم وفي أي ظروف يعيشون “.

كم من الممكن أن يتحمل عقل الإنسان وجسمه بعد أن كان محاضرا في جامعات أوروبية وأمريكية وعالمية !؟ … بعد ان كان مشرفا ومقررا في البحوث العلمية بمركزين وحيدين في العالم !؟ ، هما مركز برلين ومركز متشغان والذي كان مقررا فيه منذ سنة 1980، إذ يقول “وقد نجحت في تحطّيم أرقاما قياسية باعتراف وزير التعليم العالي الفرنسي الأسبق، عندما حضر لي في مناقشة دكتوراه الدولة في تولوز سنة 1980، قال بالحرف الواحد [أنك حطّمت الأرقام القياسية منذ عهد نابليون إلى اليوم] ، حيث أنني حصلت على درجة دكتور مهندس في سن 23، وحصلت على دكتوراه دولة في سن 27، مع العلم أنى دخلت المدرسة وسنّي كبير، حيث دخلت الابتدائي وعمري ثماني سنوات، فهي معادلة صعبة جدا أمام أي شخص، وبعد تحقيق هذا الصرح الشامخ من العلوم والاجتهاد يقع استهدافي لتدميري بهذا الشكل الشنيع، فحتى في الحقل الفلاحى ممنوع علي العمل! .. مراسلاتي ممنوعة! .. حتى أنني مُنعت من استعادة كتبي في الجامعة، فقد زرت الجامعة وأردت استرجاعها فمُنعت من ذلك”.

درسنا وارتقينا ولما عدنا لخدمة بلدنا، وجدنا أنفسنا في سبخة دون أكسجين

إن المدارس والكليات هي عبارة عن مشاتل وهذه المشاتل فيها الأشجار، والطلبة هي تلك الأشجار، فشجرة تزرع في تربة طيبة وفيها سماد وتجد عناية فتنتج .. “ونحن مع الأسف رُمينا في أرض سبخة، فقد درسنا وارتقينا في سلّم الثقافة والعلم وتخرجنا من أجل أن نُقدّم انتاجات وثمار، وعدنا إلى بلادنا كي ننتج ونقدّم لها كل الخير وتنازلنا على المناصب العليا، ففي سنة 1986 وأنا في جامعة ماريلاند في أمريكا، يُعرض علي أجر شهري قدره 12 ألف دولار للعمل بها كأستاذ محاضر، في حين كان راتبي في تونس لا يتجاوز 700 دينار تونسي، وقد رفضت العروض وعدت إلى بلادي من أجل أن أفيدها، ولكن كان مآلي السجن وما عانيته وأعانيه… أردنا تقديم الإنتاج لبلادنا فوجدنا أنفسنا في سبخة وليس لدينا أكسيجين لنتنفس، وهذه هي النتيجة، ما هي جريمتي حتى يقع لي ما وقع!”…”في سنة 1990 حملوني للمحاكمة مع سفاح نابل المدعو الدمرجي الذي قتل 14 فتاة، في نفس قافلة السيارات، فهذه جريمة أن أوضع في موقع شخص مجرم قتل 14 فتاة.. أنا أوضع في غرفة د 7 المشؤومة في سجن 9 أفريل المعروفة والتي تسمى بـ”بيت الصيودة” أي غرفة المخنثين… هذه سلطة تونس التي تريدني أن أعترف لها ببياض؟ … فإلى متى نحن نعيش هذه الظروف، إلى متى !؟ .. أذكروا لي حادثة وقعت مثل هذه في جنوب أفريقيا في عهد الميز العنصري “الأبارتايد”؟ أذكروا لي أي حالة من هذه الحالات وقعت في أي دولة في العالم؟، أتحدى أين إنسان أن يأتيني بمثال واحد وقع في أي دولة وفي أي رقعة من العالم ما وقع لي!”.

في شهر جوان 2006، تقدم وابنته مريم بقضية للمحكمة الإدارية في جواز سفر، وصدر الحكم يوم 17 – 7 – 2009 بتسليمه جواز سفر مع غرامة لوزير الداخلية، ولكن لم ينفذ هذا الحكم..

عندما خرج من السجن سنة 1993 وجد نفسه في إقامة جبرية، بدون قانون وبدون حكم، ويذكر أن هناك ثلاث فرق بوليسية هي “فرقة الإرشاد” و”فرقة المختصة” وفرقة “المباحث” ، تتناوب على حراسته في البيت، كل فرقة مدّة ثلاث ساعات، ولكل فرقة 3 أعوان، رغم ذلك يقول الدكتور منصف: “لا يُسمح لأي شخص بزيارتي إلا إذا توفرت فيه أربع شروط، أن يكون من عائلتي أي يحمل نفس لقبي أو لقب زوجتي، أن لا يكون من المثقفين، أن لا يكون من عمالنا بالخارج وأن لا يكون له مشروع اقتصادي!”.

مضحكات مبكيات في حياة المرحوم

يقول الدكتور المنصف: “هناك نوادر وقعت في تونس لا تسعها المجلدات ولن ينساها التاريخ، إنسان يكتب على لوحة “يحي الإسلام” ويعلقها على الساعة في شارع بورقيبة بالعاصمة تونس، يصدر ضده حكما بسنتين سجن! قلت يوما، لمسؤول في وزارة الداخلية، في ردّي عليه حين قال لي أنك تريد أن تعود بتونس إلى الوراء بـ 14 قرنا، قلت له، أولا أن شهاداتي العلمية لا توحي بأنني سأعود بتونس إلى 14 قرنا.. ومرّة بالغ في السب فقال لي “يا بهيم.. يا بغل”، ومرّة يقول لي يا دكتور، حتى أني ضحكت وقلت له الحمد لله ، قال لماذا تضحك؟ ، قلت له تونس بخير، فالبغال والبهائم أصبحت دكاترة فالبلاد أصبحت بخير إذن، وفي إحدى المرّات قلت لهم أنكم تقولون لي أنني أريد العودة بتونس إلى 14 قرنا، فهذا هيّن، فأنتم عدتم بنا إلى الوراء أكثر من 3300 عاما، قالوا لي كيف؟ قلت لهم: فرعون لما تحداه سيدنا موسى عليه السلام جعل بينهما موعدا وهو يوم الزينة، أي عبارة على مناظرة تلفزيونية بمفهومنا الحاضر، وأتى فرعون بما عنده، وجاء سيدنا موسى عليه السلام بما عنده، وانتصر سيدنا موسي وتركه فرعون ينسحب بسلام، قلت لهم، هل تسمحون أنتم أن نجري مناظرة تلفزيونية الآن مع من تختارون منكم، فحتى فرعون كان أفضل منكم، لذلك أنتم عدتم بنا ليس فقط 14 قرنا ولكن 3500 عاما..

دكتور ينظف المراحيض ويبيع المعدنوس في السوق

من قصص تواضعه، أنه جاء يوما لمسجد قريته ووجد المراحيض مسدودة ورائحة كريهة للغاية نزكم الأنوف، فاستفسر عن سبب عدم تسريحها، فقيل له منذ أيام وهي كذلك، فنزع معطفه وشمر على ساعديه وبدأ تنظيفها لوحده وسكان القرية ينظرون باستغراب، كيف لدكتور قادم من أمريكا وأوروبا، ينظف مراحيض .. وقصة أخرى غريبة أيضا، أنه لما منع من بيع “المعدنوس” في السوق البلدي، اخذ أطفاله الأربعة وكتب عليهم للبيع واضعا أسعار على صدر كل طفل.. وحتى لما أصبح وزيرا للتعليم العالي لم ينتظر السيارات الفخمة والبروتوكول الوزاري بل جاء أول يوم بسيارته الخاصة التي كان ينقل فيها خضرواته للبيع في الأسواق.. أما دوامه في الوزارة فكان من السادسة صباحا حتى التاسعة ليلا، وتحكي إحدى الصحافيات لما طلبت مقابلته ضبط لها موعدا على الساعة السابعة صباحا فاستغربت، كيف لوزير عربي أن يكون في هذا التوقيت في مكتبه، وإذا بها تجده في انتظارها بربع ساعة قبل الموعد..

طراز فريد من المفكرين والدعاة، تجاوز إشكالية ثنائية علوم الدين وعلوم الدنيا

إن سعة وتنوع المجال العلمي والجغرافي والاجتماعي والثقافي والسياسي، الذي تحركت ونمت فيه تجربة وخبرة الشيخ الدكتور المنصف بن سالم، ساعده كثيرا على اتساع أفقه الفكري، واستواء مسلكه المنهجي والتحامه بآفاق الوعي السنني الذي أعانه فعلا على أن يكون جسرا بين أجيال الفكر والسياسة، وأجيال الدعوة والإصلاح، وأجيال الأصالة والمعاصرة، وأجيال المشرق والمغرب..

لقد كان رحمه الله طرازا جديدا من المفكرين والدعاة، تجاوز إشكالية ثنائية علوم الدين وعلوم الدنيا، وفلتَ من صراعاتها، وتموقَعَ في ساحة الأصالة الإسلامية المعاصرة المتوازنة، بكل من تعنيه وتستلزمه من ارتباط واثق بثوابت وسنن الهوية العقدية والثقافية والحضارية للأمة من جهة، وانفتاح مستبصر على خبرات العلمية والإنسانية في تحقيق نهضة المجتمع والأمة.

لهذا كان رحمه الله محل احترام وتقدير كبير من كثير من المفكرين والعلماء والدعاة والمصلحين والساسة، ليس فحسب داخل عالمنا العربي بل خاصة في العواصم الغربية التي اشتغل بها كألمانيا وأمريكا وفرنسا، ومن باب و شهد شاهد، أنه استدعاه سفير ألمانيا للحديث معه، يقول له بالحرف الواحد: “نحن لدينا نظرة سلبية على الحركة الإسلامية في تونس، ولما سمعنا أنك عضو فيها تغيرت نظرتنا، لأني أحسب أن حركة يكون فيها أمثالك لن تكون حركة إرهابية أو حركة غير ديمقراطية، ولذلك نحن مطمئنون ولدينا بوابة ندخل منها في الحديث مع الحركة الإسلامية في تونس، وقد طمأنتنا بوجودك في هذه الحركة”، فهذه شهادة غربية ، وهناك شهادات أبلغ منها مع سفير كندا وشخصيات أخرى، يضيق المجال لذكرها ..

جائزة المنصف بن سالم للتعليم العالي والبحث العلمي

تكريما للعلم وإعلاء من شأن العلماء وحثا على المعرفة والبحث العلمي ووفاء لرموزنا النضالية والعلمية أقترح بعض الاخوة الزملاء أن تتولى وزارة التعليم العالي التونسي في اختتام كل سنة جامعية تقديم “جائزة الدكتور المنصف بن سالم للبحث العلمي” لكل المتفوقين في البحوث العلمية … كما أقترح على قيادات حركة النهضة والأحزاب الوطنية التونسية التعاطي بجدية مع هذا المقترح فالدكتور المنصف بن سالم جدير بأن يُتخذ أسوةً علمية وأخلاقية ونضالية لشبابنا، ليس فقط في التونس ولا في العالم العربي بل عبر العالم أجمع، ونحن إذ نظم أصواتنا لهذه المبادرة، فلا يسعنا إلا نقول: “رحم الله أستاذنا المنصف بن سالم رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته مع الأتقياء الأخيار، ومَنَّ عليه بمغفرته ورضوانه، وجزاه عما قدّم للإنسانية قاطبة خيرًا .. آمين .. آمين”.

محمد مصطفى حابس
19 أبريل 2015