بعد الاعتراف الرسمي من طرف البرلمان السويسري عام 2003، بقضية “إبادة الأرمن من طرف الدولة العثمانية” ، و الذي مر كـ “لا حدث” حينها في الشارع السويسري، وبعد أن حاولت بعد ذلك بعض الأحزاب الوطنية ترقيع الخلل الصادر من طرف بعض الأحزاب اليسارية ولم تخرج بموقف علني.. قامت أخيرا منذ أشهر خلت أحزاب يمينية سويسرية بمبادرة الحفاظ على موقف الحياد التاريخي لسياستها الدولية في مثل هذه النزاعات، وفعلا وقفت شخصيات من الأحزاب المحسوبة على اليمين، موقفا ضد مشروع بناء “تمثال تذكاري لضحايا إبادة الأرمن” بجوار مقر الأمم المتحدة بجنيف، وفعلا أوقف المشروع أيضا، من طرف مواطنين سويسريين رفضوا اللعب بمبدأ الحياد المقدس لدى جل المواطنين السويسريين، الذين كثيرا ما حاولت فرنسا إقحامهم فيه، وكان للديبلوماسية التركية دور مهم في اقناع رموز الدولة وأرباب الاعمال السويسريين، وطوي حينها ملف ” تشييد تمثال لضحايا إبادة الأرمن” في عاصمة حقوق الانسان الدولية.

و ها هي اليوم تحاول مجموعات أخرى دينية مسيحية تابعة لمقاطعة فو السويسرية، لإحياء هذه الفتنة بتنظيم أيام دراسية حول ” الذكرى المئوية لإبادة الارمن” وكان ذلك أيام 4-7 جوان 2015 المنصرم، في مدينة لوزان السويسرية، مهدتها قبل أشهر بتظاهرة في العاصمة بارن، حيث دعيت للندوة شخصيات دينية مسيحية من المشرق و من أوروبا، تحديدا من العراق و لبنان و أرمينيا و تركيا و شخصيات تهتم بحوار الاديان من سويسرا و بلجيكا و فرنسا كما دعي كضيف شرف الفنان الفرنسي شارل أزنفور (الارميني الاصل) و سفير دولة الأرمن في سويسرا، لكنه إعتذر في آخر لحظة للحضور وعوضته موظفة من السفارة الارمينية.

ورغم أن البيان الرسمي للندوة، حاول صاحبوه في ديباجتهم الاولى أن ينأوا بأنفسهم عن أجواء الخلافات السياسية بين تركيا وأرمينيا حفاظا على حيادية سويسرا، و قد فهم ممثلو الجالية التركية أنه انحياز مكشوف للأرمن وقد منعوا حتى من التدخل والتعقيب على المحاضرات علما أنهم مدعوون..؟ وحتى كاتب هذه السطور لما حاول الاستشهاد في اليوم الأخير من الندوة بمقولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، التي طالب فيها الحكومة الفرنسية والبرلمان الفرنسي بالاعتراف بجرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر، ثارت ضجة كبرى وقوطع المتحدث بعذر أقبح من ذنب، مفاده” أن موضوع الندوة لا يعني إلا القضية الارمينية بعينها، وليس إبادة الجزائريين من طرف فرنسا”.. وهم يعلمون كرجال دين ومؤرخين أن الإبادة التي وقعت في الجزائر فضيعة للغاية، جاء الفرنسيون إلى البلاد زاعمين أنهم أصدقاء للشعب الجزائري متعهدين لهم بحمايتهم لكنهم ضربوا بكل العهود والوعود التي قطعوها عرض الحائط، وارتكبوا المجازر والمذابح الجماعية في حق شعب أعزل كل ذنبه أنه رفض وجود الأجنبي على أرضه فكان ذلك منذ السنة الأولى للاحتلال أي 1830.

و بشهادة مؤرخين غربيين من باب “وشهد شاهد من أهله”، فقد كان الضباط الفرنسيون حينها يعملون كل ما في وسعهم للقضاء على شعب بأكمله ومحو شخصيته الوطنية ووجوده وهذا بإراقة دم الأهالي الأبرياء وتنظيم حملات إبادة جماعية تقشعر الأبدان لفظاعتها من خلال القتل والذبح والحرق التي لم يرحموا فيها حتى الرضع. كما تفنن جلادو الاستعمار الفرنسية بالتنكيل بالجزائريين، حتى النازيين لم يرتكبوا مثله في الحرب العالمية الثانية، مستخدمين أشكال تعذيب بشعة يندي لها الجبين، أخرها مجازر سطيف و قالمة و خراطة التي راح ضحيتها في يوم واحد ما يزيد عن 45 ألف شهيد…

ولم ترع سياسة الاستعمار الفرنسي في الجزائر أي قانون من قوانين الحرب الدولية ولا حتى القوانين الإنسانية، وسيحفظ التاريخ فظاعة الجرائم التي ارتكبتها فرنسا في حق الجزائر أرضا وشعبا وها هي فرنسا الآن تتحدث وتدافع عن قضية إبادة الأرمن، وأن مجرد إنكارها يعد جريمة، إذن فما الذي يمكن أن نطلقه على ما فعلته هي في الجزائر و في إفريقيا عموما ؟

ويتساءل بعض الأتراك والعرب – الذين حاضروا معنا الندوة – هل سيحين الوقت بعد اتهامات أردوغان لفرنسا لكي يقوم العرب والمسلمون، بل تقوم ديبلوماسياتنا بمطالبة أوروبا بتطبيق هذه القوانين التي تجرم المستعمر الأجنبي على جرائمه؟ وهل سيكون العرب على قدر من الجرأة التي تمكنهم من إصدار قوانين تجرم من ينكر الاستعمار والاحتلال وإبادة “إسرائيل” للشعب الفلسطيني؟

و لكي نفهم الخلفية التاريخية ومجريات الأحداث(*)، تعالوا نتصفح ما كتبه الدكتور أمرالله إيشلر، نائب رئيس الوزراء التركي، بحيث كتب يقول :” لا بد أن نعلم ماذا حدث قبل 24 أبريل سنة 1915، بحيث كانت سنة 1914 هي السنة التي أعدت فيها نظريات وخطط من قبل الدول الإمبريالية لإزالة الدولة العثمانية المسماة آنذاك بـ (الرجل المريض) من مشهد التاريخ. وكانت لهذا المريض الذي سيموت قريبا تركته التي يعملون على تقسيمها. فالقوى الإمبريالية كانت بحاجة إلى عناصر جانبية مساعدة للإطاحة بهذا المريض من الداخل، كان ذلك العنصر المساعد ما هو إلا عصابات الأرمن التي كانت تحلم آنذاك بإقامة دولة أرمنية مستقلة، وأصبحت الفرصة سانحة بعد بدء الحرب العالمية الأولى لتحقيق مآرب الأرمن مضيفا بقوله:

“وفي الوقت الذي كانت جيوش الدولة العثمانية تحارب في عدة جبهات، حارب الأرمن في جبهة القوقاز إلى جوار الروس ضد جيش الدولة العثمانية وقاموا أيضا بالتمرد والعصيان داخل الوطن مما أشغل قوات الأمن بالأحداث الداخلية..” و تقدر مصادر أجنبية ” أن عدد المحاربين الأرمن النظاميين داخل الجيش الروسي بـ 150 ألف مقاتل، والبعض يقدّر هذا العدد بـ 300 ألف. وكما أقر بعض الكتاب الأرمن فإن الأرمن أصبحوا طرفا بل حليفا صغيرا في صفوف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى..”

ثم يضيف قائلا:” لم يكتف هؤلاء الأرمن بتقديم مساعدات للروس للاستيلاء على مدينة (وان) بل قاموا بقتل عشرات الآلاف من المسلمين المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال فيها. فالوثائق العثمانية تثبت أن الأرمن قاموا في تلك الفترة بمجزرة حقيقية وإبادة ممنهجة بلغت ضحاياها أكثر من نصف مليون مسلم من الأتراك والأكراد والعرب من رعايا الدولة العثمانية آنذاك”.

و يقول الباحث التركي :” أن معظم الاحصاءات تقدر عدد رعايا الدولة العثمانية من الأرمن في حدود مليون وثلاثمائة ألف أرمني، كما أن معظم القتلى من الأرمن كان في الجبهات الروسية أثناء محاربتها ضد الدولة العثمانية. وكذلك مات عشرات الآلاف من الأرمن أيام الحرب بسبب الأمراض المعدية والبرد القارص والجوع شأنهم في ذلك شأن باقي الضحايا من رعايا الدولة العثمانية أيام الحرب.”

وكما يضيف الخبير التركي في تقريره قوله على سبيل المثال:”

يبلغ عدد الضحايا الأرمن في الأراضي الروسية وحدها بسبب الظروف الصعبة 40 ألف. أما عدد الأرمن الذين قتلوا من جراء اعتداء بعض العشائر فهو في حدود 10 آلاف أرمني. وبكلمة فإن جملة ضحايا الأرمن هي في حدود 150 ألف أرمني، وكما أفاد الاستخباراتيون الروس فإن الأرمن يضيفون إلى هذا الرقم صفرا آخر ليرتفع ضحاياهم إلى 1.5 مليون..”

وقد سلم بهذه الحقيقة الناشر الأرمني أرشاق جوبانيان حيث قال: “لا محالة من المبالغات في مثل هذه الأزمات ولكنه ليس من الصواب بأن ندعي بأنه تمت إبادة الأرمن في تركيا.”

وهنا يجب أن نقرأ ما كتبه مصطفى كامل باشا المصري في كتابه “المسألة الشرقية” الذي نشر في مصر سنة 1909، وقد خصص فصلا للمسألة الأرمنية في الجزء الثاني (ص 176-250) حيث يلقى اللوم على إنكلترا في كل ما حدث، ويشرح نواياها السيئة قائلا: “إن انكلترا تريد هدم السلطنة العثمانية وتقسيم الدولة العلية ليسهل لها امتلاك مصر وبلاد العرب وجعل خليفة الاسلام تحت حمايتها وآلة في يدها..” وكانت انكلترا بحاجة إلى عنصر داخلي لتحقيق مآربها فكانت الضحية هم الأرمن، إذ يقول مصطفى كامل باشا في هذا الشأن ما نصه: “ورأى العالم هذه الطائفة التي كانت تعيش في بحبوحة السعادة والرفاهية والتي كان يسميها العثمانيون بالملة الصادقة والتي لها في مناصب الحكومة والادارات وفي التجارة والصناعة الشأن الأول تثور ضد الدولة العلية..”

ويقول عن دسائس الانكليز في مكان آخر: “ولكن انكلترا اشتهرت بأنها لا تقف أمام عائق لبلوغ غايتها وإدراك بغيتها فقد سلّحت الأرمن البروتستانت وألقت عليهم التعليمات بإحداث هيجان عام في كافة أنحاء المملكة العثمانية والاعتداء على المسلمين في كل المدن العثمانية ووعدتهم بالمساعدة والتداخل وإيجاد مملكة أرمنية مستقلة..”

و في الوقت الذي كانت معظم الصحف الانكليزية تنشر آنذاك أخبارا مصطنعة ومفبركة وكاذبة ضد الدولة العثمانية كانت هناك بعض الصحف المنصفة حيث نشرت جريدة (الغلوب) في شهر يناير سنة 1895 بالحرف الواحد: “إن الفظائع التي أسند اقترافها إلى الأتراك ضد الأرمن هي أكبر ما دلست وغشت به الجرائد الانكليزية الرأي العام الانكليزي” وأثبت الكاتب أن عقلاء الأرمن سخطوا على انكلترا واعتبروها عدوتهم الحقيقية التي ألقت بهم إلى التهلكة.”

كما يخلص المؤرخون الأتراك إلى قناعة لا يداخلها شك بحيث يقولون اليوم “أن ادعاء الإبادة ضد الأرمن أكذوبة لم ير التاريخ مثلها. وأن الأرمن تواطؤوا مع الانكليز بدرجة أولى وحاربوا إلى جوار الروس ضد دولتهم ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بالقتل الجماعي والإبادة الممنهجة في حق جيرانهم المسلمين الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء في الوقت الذي كان رجالهم وشبابهم يحاربون في عدة جبهات أيام الحرب العالمية الأولى..”

و كما وصف أحدهم ذلك بقوله :” حال الأرمن أشبه بحال من ضرب وبكى وكذب واشتكى، فبدل أن يحفظوا دروسا مما لحق بهم ويحاسبوا من أغراهم من الانكليز والروس والفرنسيين ويلقون اللوم عليهم، أرادوا إقحام تركيا في مستنقع الصراعات بدل ربط علاقات جوار وأخوة بين الشعبين، وطي صفحة الماضي البغيض..”

و اليوم وبالرغم من مرور 100سنة على ذلك، إلا أن هذه القضية لا تزال حية وحديث العالم وهي أليمة فعلا و مريرة مهما كان عدد القتلى، امتثالا لقوله تعالى:{ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيْعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا }، أما أن يقوم في الوقت الحالي، البعض كساسة فرنسا باستخدام هذه الحادثة “المروحية” المريرة كورقة سياسية ضد الاسلام والمسلمين وليس ضد تركيا كدولة أوروبية، والأصل في قضية شائكة مثل هذه من اختصاص المؤرخين النزهاء فحسب وليس السياسيون.. وإلا فهناك حالات عديدة لعمليات جرائم الابادة الجماعية يزخر بها – مع كل أسف – سجل تاريخ الانسانية الحديث جمعاء، وبالرغم من ذلك لم يطلق عليها هذا المصطلح، أي ” الابادة الجماعية”، وبالتالي فإن إطلاق هذا المصطلح على الارمن فقط أو اليهود فقط أو أي جنس بعينه، يعني تجني على الاخرين وعدم حيادية البحث في النطاق التاريخي.. وبالتالي يصبح التاريخ ألعوبة يكتبه كل من هب ودب من الباحثين أو السياسيين حسب الاهواء والمصالح، كما هو رائج اليوم في بعض محطاته المفصلية – مع كل اسف- في أروقة ورفوف مكتباتنا، بل ويدرس لأطفال المسلمين على أنه حقيقة لا غبار عليها.

وبالتالي من الضروري اليوم قبل اي وقت مضى للشعبين الشقيقين الفصل بين البحث التاريخي العلمي المحايد في مثل هذه المسألة المؤلمة من جهة و بين النفخ في روح الشقاق و النفاق ، والتفرقة مع مزامير الفتنة والشر وأبواق الغرب الاستدماري.. والحل لا يكون إلا على يد حكماء الدولتين تركيا و أرمينيا فقط، بحيث يجلس العقلاء لحل المشكلة وديا وأخويا، وتفتح الحدود بين الدولتين الجارتين ليتعانق الأشقاء الارمن والاتراك وينعمون بعيش كريم مثل ما كانوا في سالف عهدهم الذهبي قبل الحرب العالمية التي شردتهم.. دون أي تدخل أجنبي، وبالتالي تأخذ منهم فرنسا الدرس وتعطي المثل بدورها هي ايضا، في الاعتراف بجرائمها ليس فقط في الجزائر بل في كافة مستعمراتها، التي لا يزال شعبها يئن تحت سياسة الفقر والتجهيل المقنن.. وما أموات “هجرة الخبز” في مياه البحر المتوسط هذه الاشهر إلا نتاج ما زرعته أياديه الأثمة، وسيبقى حيا وشاهدا على مر التاريخ في سياسة الكيل بمكيالين للدول الغربية مع شعوبنا، وسيندم بعض ساسة اليوم والمؤرخين العرب عموما المستلبين تراثيا وحضاريا الذين زيفوا تاريخنا، من مستعملي سياسة النعامة مع الغرب الاستعماري في كتاباتهم وبحوثهم، ولهم المثل الأعلى في الديبلوماسية التركية التي تدافع اليوم لوحدها عن بيضة المسلمين ولو بطريقتها الخاصة.. وإن غدا لناظره قريب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..

محمد مصطفى حابس
30 جوان 2015