تفاعلت الساحة الوطنية مع خبر/إشاعة عزم تدريس العامية في الابتدائي بداية من السنة المقبلة. وبرّر المفتش العام بوزارة التربية الوطنية (ثم نفى ذلك رغم نشر جريدة الخبر فيديو يثبت ما أوردته الصحيفة) بضرورة التدرّج في تعليم اللغة العربية في الطور الابتدائي، لتفادي صدم التلميذ الجديد مضيفا “إن الكثير من التلاميذ لا يحسنون إلا لهجتهم التي تعلموها في المنزل”. ولنا أن نسأل سيادته متى كانت اللغة العربية صدمة ومصدر خوف وترهيب لأطفالنا؟ إذا كانت حجّتهم في تدريس لغة الأم (الدارجة) تفادي صدم الأطفال أثناء التعاليم وتعليمهم بـ”اللغة” التي يتعلمونها في البيت، هل معنى ذلك أن يتعلم الطفل بالمدرسة خليط الكلمات المشوّهة التي يسمعها في البيت والشارع؟ هل رأيتم الفرنسي يتعلّم في المدرسة خربشة الكورسيكية أو الألزاسية والبرتونية التي يستعملها في البيت، أم أنه يتعلّم اللغة الفرنسة الكلاسيكية؟ والانجليزي والأمريكي هل يتعلمون هجين النيويوركي والإرلندي والاستكتلاندي وما إلى ذلك؟ إذا علمنا أنّ الدارجة عندنا هي لغة هجينة مشوّهة بفعل الزمن للغة العربية، لصقت بها آلاف الكلمات الفرنسية، هل يريدون لنا أن يتعلم أبناؤنا هذا الخليط الممسوخ؟ أليست المدرسة مؤسسة تعليمية وتربوية لتصحيح الخطأ وتعليم الصواب؟ أم أنّ العملية برمّتها تصبو لإعداد جيلٍ “‬مشوّه لغويًا”؟

عودة إلى موضوع الزوبعة، هل هي إشاعة أم حقيقة؟ قد يكون الأمر هذا وذاك، قد يكون بالون اختبار كالعادة، خاصة في ظل تفنيد الوزارة الخبر من أصله وحذفها الفيديو للندوة من على موقعها مما يثير شكوكًا تعزّز هذه المخاوف. وقد يكون محاولة خلط الأوراق وصدّ أنظار المواطن عن جوهر ما يشغل باله، وقد يكون في إطار حرب الأجنحة وتصفية حسابات، من خلال نشر مثل هذه الإشاعات الحساسة لإحراج الطرف الآخر، كل ذلك محتمل إذا علمنا طبيعة الحكم الذي عوّدنا على مثل هذه الألاعيب. وقد يكون الأمر ببساطة محاولة البعض التخلّص من الوزير لأسباب غير شريفة، فنشر الإشاعة وتركها بين الأطراف تنهشها، كما تجدر الإشارة أن الوزيرة كذّبت الخبر واعتبرته مجرد إشاعات، بل قالت “لا تزال إشاعات” وكأنها لا تنفي الموضوع بالمطلق وإنما اعتبرته مؤجلا إلى حين.

لكن ما يثير شكوك المرء بهذا الشأن أنّ الحديث عن تدريس اللغة العامية بدل الفصحى بدأ بعملية تضليل في عنوان الندوة التي‮ ‬قيل أنها ستقوم بعملية تقييم‮ ‬12‮ ‬سنة من التعليم في‮ ‬يومين،‮ ‬فوجّهت الدعوات إلى عددٍ‮ ‬كبير من المشاركين فيها بغرض تقييم وإصلاح التعليم الثانوي،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتحوّل الموضوع إلى‮ “‬إصلاح المدرسة‮”. وثانيا ما يعزّز هذه المخاوف أن تؤتمن على تعليم اللغة العربية وزيرة لا تعرف نطقها ولا التحدث بها أصلا ولا يبدو عليها أيّ حرج في ذلك، وهي مفارقة لا نجدها في أيّ دولة من دول العالم، بما يعتبره الملاحظون فضيحة لم تحدث في‮ ‬قطاع التربية منذ الاستقلال؟‮!‬

وسواء كان الأمر إشاعة أو حقيقة، يبقى جوهر الإشكالية قائمًا، ولا يجب أن يغيب عن نظرنا أنّ الحرب القديمة المتجدّدة على اللغة العربية مستمرّة ولم تضع أوزارها يوما، بل احتدمت في السنوات الأخيرة بعد أن كانت محصورة في إطار ضيق، نخبوي جامعي، فأصبحت الآن علنًا بفعل كثافة وسائل الاتصال والإعلام، يكشف مساعي الأطراف التي تحاول مسخ الجزائر وسلخها عن محيطها العربي الإسلامي وإلحاقها بزعمهم إلى محيطها المتوسطي “الطبيعي” (يفهم من ذلك فرنسا دون غيرها)، فيلجأ هؤلاء في كلّ مرة إلى طرق ملتوية ظاهرها بيداغوجي أكاديمي، وباطنها حضاري أيديولوجي، وهم يدركون خسارة مسعاهم إن هم جاهروا بمخططهم لتكريس لغة عامية، تختلف من منطقة إلى أخرى حتى يصير حتمي تكوين مترجمين عاميين بين مختلف جهات الوطن، بدلا من اللغة العربية الجامعة ليس بين مواطني الجزائر قاطبة فحسب بل بين كافة الدول العربية والكثير من دول العالم الإسلامي، من طنجة إلى جكارتا. كما أنّ المقصود في نهاية المطاف هو فرض العامية تمهيدًا للقضاء على العربية وأخذ محلّها الفرنسية تحديدًا، عندما يتبيّن استحالة اعتماد العامية في مستويات الدولة المختلفة، فيأتون بالحلّ الجاهز “إرث الاستعمار” مثلما يروّج له أصحابه.

في سياق هذا النقاش المحتدم، ذكّرنا أحد المتدخلين بوجود زهاء 1650 لهجة ولغة محلية في الهند وفي فرنسا 14 لهجة وفي أمريكا عشرات اللهجات واللغات المحلية ولكن في كلّ هذه الدول تكون اللغة الوحيدة المسموح التعلم بها هي اللغة الوطنية الرسمية للبلاد في المرحلة الأولى وتضاف لغات عالمية ثانية في الأطوار المتقدمة. ويلاحظ أن محاولات نشر العامية في المدرسة ما انفكت تشق طريقها بدعم من جهات نافذة تسلّلت خلسة إلى مختلف مستويات الدولة منذ الاستقلال وتخندقت في كل القطاعات الأساسية من تعليم وإعلام وإدارة وجيش وصناعة، ويعملون بلا كلل ولا ملل على وأد كل قيم الأمة، ومنها لغتها الوطنية المنصوص عليها في الدستور، الجديد فقط أنهم كانوا من قبل يتحرّكون داخل دوائر ضيقة، بينما أصبحت حركاتهم الآن معلنة بل ومستفزة، وقد يكون الأمر مفيدًا من باب رب ضارة نافعة، حتى تتّضح الصورة كاملة أمام الجميع.

وأخير، طالما أن حجتهم أن اللغات الأجنبية هي حاليا لغات الرقي والتعليم والعلم، دون أن ينكر كل منصف هذه الحقيقة، خاصة في ضوء تقهقر وتردي مكانة اللغة العربية بفعل قرون التخلّف والقهر والاستدمار، لماذا يريد هؤلاء حصر اللغات الأجنبية في اللغة الفرنسية تحديدًا، اللغة التي تموت يومًا بعد يوم بين مواطنيها وتكاد تكون غريبة بينهم، وهل يجهل أحد أنّ الانجليزية هي الرائدة بدون منازع، فلماذا إذن نستبدل لغة رائدة بلغة تكاد تموت بين مواطنيها الذين ينشرون بالإنجليزية أولا ثم يترجمون إلى الفرنسية؟ سؤال لن يردّوا عليه بالتأكيد، لأنهم يعلمون سخافته أمام واقع يفقع العين.

أما إذا أضفنا إلى ذلك، جملة التوصيات الأخرى التي انبثقت عن الندوة الوطنية لتعتمد كقرارات ابتداءً من الموسم المدرسي المقبل من قبيل تفريغ امتحان البكالوريا من كلّ المواد التي لها علاقة وطيدة بهوية المواطن الجزائري مثل اللغة العربية والجغرافيا والتاريخ والعلوم الإسلامية إلى جانب إفراغ كافة الكتب المدرسية الموجّهة إلى تلاميذ الشعب الأدبية من كافة السور والآيات القرآنية، فبذلك تتّضح الصورة وتتوارى شجرة العامية لتتجلّى غابة ما يراد للجزائريين.

د. رشيد زياني شريف
عضو المجلس الوطني بحركة رشاد، الجزائر
2 أوت 2015