في أوقات المحن لا يملك أحد ترف القعود عن العمل في صفوف الساعين إلى حماية البناء الوطني، أو يملك رخصة الشح بنفسه أو ماله أو جهده عن المساهمة في العمل التربوي على تحقيق النجاة الوطنية، والسعي – بعدها – إلى رفعة الوطن وتقدمه ونهضته.

وليس لأحد أن يحتكر لوحده العمل الوطني، والمحتكر – في السلع التي يحتاجها الناس- خاطئ، وهو في العمل السياسي والوطني والتربوي مجرم آثم. لأن الأول يحرم عددا من الناس – يقل أو يكثر- حقهم في منع استعمال سلع بعينها، والثاني يحرم الوطن كله، حاضره ومستقبله، من جهد أبنائه وعطائهم، ومن جهادهم بالنفس والمال والعقل والقول والفعل في سبيله. لا لشيء، إلا لأنَّ من وراء كل نهضة صحيحة أو بعث قويم أو تحرر حقيقي، إعداد روحي ونفسي وأخلاقي شامل، يقوم به نساء ورجال يملكون طاقات عظيمة على تكوين الأشخاص وإيجاد النخبة التي تتحمَّل عبء النهضة والإصلاح والتحرر فيما بعد.

وفي عصرنا الحديث، مثال رائع على هذا النوع من الرجال، استطاعوا بما حباهم الله من قدرة على المتابعة والاستمرار أن يبعثوا الحياة في أمة كادت أن تنقرض إبان الاستكبار الفرنسي، تحت وطأة الثالوث الجهنمي: الفقر والمرض والجهل (على حد تعبير العلامة الإبراهيمي رحمه الله). وكان سرّ نجاح هؤلاء العظام أنَّهم أدركوا هدف الاحتلال الطويل لدولنا العربية، فحاربوه بنفس الأسلوب، وكان هذا الهدف الاستكباري يتمثَّل في محو شخصية “دويلاتنا” العربية الإسلامية، ومحاصرتها بحدود وجدران بدل وصلها بجسور ووديان.

الجهل باللغة نسبيا ليس عذرا للمطالبة بتدريس اللهجة الجزائرية الدارجة وأية دارجة والولاية الواحدة تعش بالدوارج؟ مهلا، فهناك أكثر من وسيلة نقل للمعرفة والأفكار، واللغة العربية الفصحى وحدها تكفي عموما للمساعدة في تشكيل شخصية الفرد وتؤثر على رؤيته للحياة، وإخضاع التراث الثقافي بأكمله لها، وذلك من خلال توفير أدوات محددة التقدير والتفكير والحكم. ووفقا لمقولة العالم فيديريكو فيليني فإن: “كل لغة ترى العالم بطريقتها الخاصة وبوجهة نظر مختلفة” وأما بنيامين ورف يقول أن: “اللغة تقولب الإنسان وفق شكل ما، وترسم الطريقة التي نفكر بها، وتحدد ما يمكن أن نفكر فيه”. أما بالنسبة للألماني غوته حول ضرورة تعدد اللغات فيقول: “الذي لا يعرف اللغات الأجنبية لا يعرف شيئا عن لغته الخاصة.”، أما خوان خيمينيز فهو يجزم أن: “من يتعلم لغة جديدة يكتسب روحا جديدة”. أما عن علاقة اللغة والهوية الوطنية، فإن إميل سيوران ميشيل يبحر بنا بعيدا بقوله: “نحن لا نعيش في بلد ما، نحن نعيش في لغة. فاللغة هي البلد، هو هذا الذي يجب فهمه ولا شيء غير ذلك” (1).

بهذه المقدمات المنيرة لدرب قيمة اللغة، أثرت هذا الأسبوع إماطة اللثام عن موضوع التربية عموما واللغة خصوصا لأمرين اثنين، الأول اطلاعي على آخر إحصائيات ترتيب الجامعات الافريقية والثاني حضوري لندوة دولية حول ” تعليم العربية للناطقين بغيرها”.

أما الأولى، فقد قرأت كما يكون قد قرأ غيري منذ أسابيع فقط، آخر إحصائيات ترتيب أحسن 30 جامعة في أفريقيا حسب دراسة بريطانية، تربعت عليها دول مهمشة سياسيا مثل إفريقيا الجنوبية وأوغندا وكينيا ونيجيرايا، والمصيبة أنه لا توجد ولا دولة عربية واحدة في العشر الأول، أما عن الجزائر، فمن بين الـ 30 جامعة الأولى لا توجد ولو جامعة جزائرية واحدة وهي أكبر بلدان أفريقيا مساحة وتاريخا وتراثا وخيرات (2).

يا سادة.. يا كرام.. يخطئ من يتصور أن قضية التعليم هي شأن حكومي فقط‏، أو أنها تخص وزيرا أو مسئولا أو حكومة بكامل أعضائها!

إن إصلاح التعليم هي قضية مجتمع ومستقبل أمة‏. وللأسف الشديد كنا دائما نضع رؤوسنا في الرمال ونتجاهل كل الحقائق حولنا‏،‏ ونتصور أن الحكومة قادرة على أن تحل لنا كل المشكلات‏، وأنها تمتلك عصا سحرية تواجه بها كل الأزمات‏. واكتشفنا بعد ضياع العمر والزمن أن الحكومات تعاقبت واحدة بعد الأخرى‏،‏ وأن المشكلات زادت تعقيدا‏، وأن الثمن أصبح باهظا‏،‏ وأننا تأخرنا كثيرا في علاج المريض حتى ساءت حالته‏.

كنا ننتظر الفرج على يد حكوماتنا الرشيدة – بعد رحيل الوزير بوبكر بن بوزيد – في مواجهة قضايا التعليم‏، ولكن الفرج لم يأت والحلول أصبحت مستعصية وصار العبء ثقيلا ثقيلا‏..‏ نعم ثقيلا وثقيلا جدا، إلى حد العجز بل الشلل التام للمنظومة التربوية في عهد الوزيرة بن غبريط، لاحظت هذا رأي العين أخيرا في ندوة دولية حول “تعليم العربية لغير الناطقين بها”، حيث حضر دكاترة من الجزائر، وليتهم ما حضروا، ” أجسام البغال وعقول العصافير” إلا من رحم ربك، خاصة الدكاترة الذين تخرجوا حديثا أثناء وبعد عهد العشرية السوداء، مئات الملايين من الدولارات تنفق سنويا على البحث العلمي والنتيجة 80 إلى 90% من رسائل التخرج من الدكتوراه الى الليسانس مقلد ومسروق ومستوحى من بحوث منشورة في جامعات أخرى محلية وأجنبية. والكفاءات الحقيقية مهمشة أو مهجرة قصرا، وهذا ليس سرا، بل يعلمه القاصي والداني.

في هذه الندوة الدولية وخلال يومين كاملين طرحت قضية إصلاح التعليم كواحدة من أخطر وأهم أزمات المجتمع في نصف القرن الأخير ‏(3)..‏ نوقش كل ذلك وأمور أخرى من طرف أزيد من 80 أستاذ من المتخصصين في شؤون التعليم والخبراء وأساتذة الجامعات والمدرسين ونخبة كبيرة من المهتمين بشئون التعليم، حبذا لو يستفيد منها سلك التربية والتعليم في كل من دولنا العربية ومؤسساتنا التربوية في الغرب.

وتعميما للفائدة وردا على بعض الأبواق “المستقورة” في جزائرنا الحبيبة التي تريد الإبحار بأطفال المسلمين في المجهول في واد غير ذي زرع، و”المقامرة” بالتعليم باللسان الدارج بدل العربية الفصحى في بحر لا شاطئ له، هذه قطوف من أهداف وخلاصات المؤتمر الذي نظمه معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية بفرنسا بالتعاون مع مجموعة من المنظمات والهيئات الإسلامية والدولية، حول موضوع “معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها: الواقع وآفاق التطوير” وورشة العمل المصاحبة له حول “تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وفق المنهج المتكامل في ضوء الإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات”.

وقد سطرت أهداف المؤتمر وورشة العمل وفق ما يلي:

― تحديد الكفاءات والمقومات المهنية اللازمة لمعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛
― الإسهام في إيجاد حلول للمشكلات والتحديات التي تواجه معلم اللغة العربية في أوروبا؛
― توظيف التقنيات الحديثة في المناهج التعليمية من قبل معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛
― تقويم برامج إعداد المعلم ووضع المقترحات لتأهيله، والاطلاع على الخبرات والتجارب الدولية في مجال إعداده وتدريبه؛
― الاستفادة من خبرات الباحثين والمتخصصين في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛
― إعداد برامج تأهيل وتدريب معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها وتطويرهم تربوياً وتزويدهم بالمهارات والكفايات اللازمة؛
― تشجيع الدراسات والبحوث في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ووضع المنهجيات التي تساعد على إدراج تعليم اللغة العربية ضمن المنظومة التربوية الأوروبية؛
― إكمال المنهج المتكامل لتعليم اللغة العربية لإدراجها ضمن الإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات.

وقد تضمن المؤتمر عدة جلسات علمية ناقشت المحاور الآتية:

― المقومات الأكاديمية والمهنية والتربوية والثقافية لمعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛
― المشكلات والتحديات التي تواجه معلم اللغة العربية في أوروبا؛
― التقنيات الحديثة لمعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛
― آليات وتجارب في تدريب وتأهيل معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها وتقويمها.

وقد خلص المشاركون في المؤتمر والورشة إلى توصيات منها:

1― إشادة المؤتمر بكلمة ممثل البرلمان الأوربي وما تضمنته من رؤى وأفكار أكدت على أهمية تطوير تعليم اللغة العربية والعناية بمناهج تدريسها في أوروبا باعتبار ذلك أحد المداخل الأساسية لتعزيز التنوع اللغوي والثقافي وتحقيق التعايش المشترك بين مختلف المكونات الاجتماعية في المجتمع الأوروبي، والتنويه بمبادرته بالدعوة الى الاحتفال داخل البرلمان الأوروبي بإصدار الكتاب الأول من المنهج المتكامل للغة العربية وفق الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات.
2― دعوة المؤتمر دول الاتحاد الأوروبي الى إدراج تعليم اللغة العربية في المنظومات التربوية والتعليمية.
3― التنويه بجهود اتحاد إذاعات العالم الإسلامي في تقديم برامج لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
4― دعوة المؤتمر اللجنة الفنية المتخصصة في إعداد المنهج المتكامل لتعليم اللغة العربية وفق الإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات.
5― ضرورة التنسيق بين الجهات والمؤسسات المهتمة بتعليم العربية للناطقين بغيرها من أجل إعداد معلم اللغة إعداداً علمياً ومهنياً، والدعوة إلى إنشاء وحدات خاصة بتدريبه وتنمية قدراته.
6― إقامة دورات تكوينية لمعلمي اللغة العربية على الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات.
7― الاهتمام بطرق التدريس التي تركز على المتعلم، وتراعي الفروق الفردية بين المتعلمين.
8― تشجيع البحوث والدراسات والإبداعات التي تهتم بتطوير تعلّم اللغة العربية وتعليمها للناطقين بغيرها.
9― ضرورة الاستعانة في تعليم اللغة العربية بالتقنيات الحديثة وتوظيفها بما يخدم العملية التعليمية، والاستفادة من التجارب والخبرات الدولية في تعليم اللغات الأخرى.
10― دعوة مركز الملك عبد الله الدولي لخدمة اللغة العربية إلى طباعة بحوث المؤتمر.
11― توجيه خالص الشكر والعرفان لكل الرعاة والمتعاونين في خدمة اللغة العربية وتعليمها.

محمد مصطفى حابس
20 أوت 2015

هوامش:

1) Les déserteurs du temple effarouchés. Abdelhamid Cherif
2) Times Higher Education. www.timeshighereducation.co.uk
3) البصائر، ملف، الصفحات: 1-20، http://www.albassair.org/journal/769.pdf