في الوقت الذي كان فيه العالم أمس الأحد، يراقب إنتخابات تركيا المصيريّة بقلق وحذر، كانت قنوات التلفزيون في الجزائر تنقل احتفالات الذكرى الواحدة والستّين للثّورة الجزائريّة، بمقتضاها شاهد الجزائريون رئيسهم على كرسيّه المتحرّك، لأوّل مرّة منذ عام على الأقل، وهو يقوم بنشاط “كبير” تمثّل في وضع يده على إكليل من الزّهور في “مقام الشّهيد” وتمتمت شفتاه بما يعتقد أنّها تلاوة فاتحة الكتاب…

في ذات الوقت أيضا، كان قاتل السّاجدين في ساحات مصر، الجنرال المغمور الذي نصّب نفسه رئيسا، يلقي خطابا يئنّ فيه بالشّكوى من سحرته الذين كانوا حتّى أسابيع مضت، يقدّسونه حتّى جعلوه نبيّا مرسلا، فإذا بأكثرهم أصبح يتحدّث عنه اليوم باستهزاء جاوز السّخرية…خاصة بعد كارثة الانتخابات وغرق الإسكندريّة…

الجنرال الذي كلّما تحدّث أثبت أنّه أكثر بلاهة وحمقا ممّا ظنّ النّاس من قبل، قال أنّه سيشتكي إعلاميّيه للشّعب المصري، مضيفا بعبارات عتاب يملؤها الأسى، “إنتم بتعذبوني ليه”.

وهو نفس الإعلام الذي كان قد لعب دورا هائلا في شيطنة سلطة مدنيّة منتخبة لم يتجاوز حكمها عاما واحدا، والذي مهّد بحملاته الكاذبة لانقلاب عسكريّ ساهمت فيه قوى الثّورة المضادّة لدولة مبارك المخلوع بدعم صهيونيّ خليجيّ غربيّ واضح وفاضح…

وكانت قد جرت قبل اسبوع في مصر العسكر، إنتخابات تشريعيّة شهدت مقاطعة غير مسبوقة، حيث لم تتجاوز نسبة النّاخبين 5 بالمائة، حتّى أنّ رئيس اللّجنة الانتخابيّة قال يسخرية سوداء، “لم تكن هناك تجاوزات انتخابيّة ولم يكن هناك ناخبين”…

يبدو أنّ أيّام الجنرال السيسي قد أصبحت معدودة، فدعم الرّوس والغرب والإمارات لم يعد يكفى فقطاعات هائلة من المصريّين تنظر إليه بغضب وسخط متعاظم…وتناقضاته مع آل سعود، مموّله الأكبر، في تفاقم ووصلت لحدّ ضرب السّفير السّعودي في بيت السّفير الجزائري بالقاهرة من طرف رئيس جريدة الأهرام وهي الصّحيفة الحكوميّة الأكبر في مصر.

أسبوعا بعد إنتخابات عسكر مصر الفضيحة، ينبهر العالم بنسبة المشاركة في الانتخابات التركيّة التي جاوزت 87 بالمائة ممّا يجعلها من بين أعلى النّسب في العالم على الإطلاق. فأقدم و أرسخ الديمقراطيات في العالم تحلم بأن تقترب من تلك النّسبة.

إنتخابات بمقتضاها سيحكم حزب العدالة والتّنمية تركيا لخمسة أعوام دون منازع، ممّا يمكّن رئيس تركيا وصانع أمجادها، طيّب رجب أردوغان، أن يكمل مشروعات جبّارة بدأها قبل 13 عاما وجعلت من تركيا واحدة من أكثر اقتصادات العالم نشاطا وإزدهارا، رغم العدوات التي تحيطها من كلّ جانب، خاصّة بعد أن تحمّلت لواء الدّفاع عن الشّعوب المستضعفة في المنطقة العربيّة ابتداء من سوريا ومرورا بفلسطين و ليبيا والعراق، ناهيك عن الدّعم الذي تقدّمه لأقليّات مسلمة تضطهدها قوى عظمى كشعب الإيقور الخاضع لاحتلال الصين والشّيشان التي تحتلّها روسيا…

لكنّ العدوات الأخطر ضدّ أردوغان وحزبه تأتي من قوى داخليّة…

فالقوى العلويّة والشّيعيّة المحليّة تناصبه العداء من أجل سفّاح سوريا و أشياء أخرى…

وقوى اليسار المتطرّف تخشى من استعادة هويّة تركيا الإسلاميّة و أشياء أخرى…

وقوى اليمين المتطرّف تناوئه بشدّة بسبب إعطاء حقوق ثقافيّة و لغويّة للأكراد و أشياء أخرى…

وقوى الكرد الانفصاليّة بزعامة جناحها العسكري تقاتله لأنّها تريد قيام أمّة كرديّة تقتطع أجزاء هائلة من تركيا و أشياء أخرى…

وجماعات “إسلاميّة” تحالفت حتّى مع الصّهيونيّة العالميّة وإمارات خليجيّة تنازعه السّلطة – غيلة وغدرا – وقد تغلغلت في كيان موازٍ لضرب نظام الحكم من داخل أروقة الدّولة…

بينما داعش، المتنطّعة أو المفبركة على حدّ سواء، فقد فجّرت عشرات القنابل البشريّة في مدن تركيا، كان آخرها تفجيرات أنقرة مؤخّرا وهي الأشدّ دمارا في تاريخ تركيا القريب…

و ما انفكّ أردوغان وإخوانه يخوضون حربا شرسة على كافّة المستويات مع العسكريّة التّركيّة، التي كانت قد تملّكت تركيا لعقود طويلة وقزّمتها وتلاعبت بكبار سياسيّيها حتّى أنّها أعدمت أكثرهم شهرة وشعبيّة…

عداء هائل ومتصاعد من قوى كثيرة، أشرت لبعضها فقط، زاد حكّام تركيا الذي يسمّيهم الغرب – تشنيعا وتخويفا وتذكيرا بصراعات تاريخية- ب”العثمانيين الجدد”، زادهم إصرارا على خوض معارك متعدّدة في نفس الوقت وبمهارة قلً نظيرها، وهو ما أثبتته إنتخابات أمس التي جعلتهم يحصلون على أعلى الأصوات في تركيا منذ أن وُجدت تركيا الحديثة…

في هذا الوقت غرقت الجزائر في أوحال الأمطار التي تساقطت قبل أيّام، كما تغرق في فضائح فساد جعلت الألف مليار دولار التي دخلت البلاد في 16 عاما من حكم آل بوتفليقة، وكأنها أملاح تبخّرت في مياه ساخنة…

فالملايين من النّاس بلا عمل و ملايين أخرى بلا سكن…والمدارس في وضع يُرثى له و المستشفيات أصبحت أٌقرب إلى زرائب حيوانات… والشّباب يهرب بعضه لأرض الله المغلقة في وجوههم… وآخر يهرب لمتعة زائفة توفّرها المخدّرات التي انتشرت في جزائر العزّة والكرامة، التي عادت فرنسا تقرّر فيها أكثر الشّؤون حساسيّة، بما فيها من يحكم بلاد الشّهداء بعد أن فُتحت لها الخزائن و الأسواق و الأجواء على حدّ سواء.

جزائر تتلبّد سحبها تلبّدا يوحى بأنّ طوفانا عارما قد أصبح على الأبواب يوشك أن يقلبها رأسا على عقب، ولتدخل المنطقة كلّها بما فيها أروبّا عهدا من الاضطرابات العارمة…تكون فيها بواخر السّوريّين رحمة لأروبّا ممّا هو قادم من الجزائر، التي ساهم الغرب وعلى رأسه فرنسا وأمريكا في وضع أحد أكثر الأنظمة رداءة وفسادا لحكمها، معتقدا أنّ ذلك سيكون انتقاما من ثورة الفاتح من نوفمبر…

و انتقاما من التّاريخ…

محمّد العربي زيتوت
2 نوفمبر 2015