“آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق” (الإمام علي كرم الله وجهه)

مقدمة

بعد ثورة يناير2011 وانخراط جماعة الإخوان المسلمين في العمل السياسي العلني وصولا إلى سدّة الرئاسة والدخول في صراع مفتوح مع خصومها السياسيين ثم ما تلا ذلك من تظاهرات حركة “تمرد” والانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي واعتصامات ميداني رابعة والنهضة اللّذين تم فضهما بمجزرة رهيبة لم يشهد لها التاريخ المصري الحديث مثيلا تلتها مواجهات بين الحركة والقوى الأمنية لازالت مستمرة منذ أكثر من عامين مخلفة زيادة عن القتلى والجرحى ألاف المعتقلين. كيف أثرت هذه التحديات العنيفة والقاسية على الجماعة؟ وما طبيعة التحوّلات التي خضعت لها؟ وما هي تداعياتها على مستقبلها ودورها داخليّا وخارجيّا؟

محنة الاصطفاف الإيديولوجي: صعود التطرّف

1- 01/12/2012، تنظيم “مليونية الشرعية والشريعة ” من طرف جماعة الإخوان المسلمين وبقيّة التيارات الإسلامية كاصطفاف هوياتي في مقابل التيارات المعارضة والمنضوية تحت إطار “جبهة الإنقاذ الوطني” بعد الإعلان الدستوري المثير للجدل والذي أصدره الرئيس مرسي في 22/11/2012. الإعلان السابق أدى إلى أحداث عنف مريرة بين الطرفين انتهت إلى عملية فرز في الشارع يقوم على الهوية ويستبعد السياسة: التيار الإسلامي والتيار العلماني (اليساري والليبرالي).

2- منتصف جوان 2013، وفي مؤتمر نصرة سورية تميّز خطاب مرسي وجماعته لغة وأداء بالتخندق الواضح مع الفريق الإسلامي فقط ممّا ولّد قلقا حول الخيارات السياسية والإيديولوجية مستقبلا عكس ما كان من ممارسات سابقة لها منذ انتخابات مجلس الشعب عام 1984 وأثناء ثورة يناير 2011 . هذا التحول في موقف الجماعة كان تحولا أيضا في موقف جزء من الصوت غير الإسلامي الذي كان داعما لمرسي في الانتخابات الرئاسية.

3- 08/07/2013، وفيه وقعت مجزرة الحرس الجمهوري والتي أودت بحياة 61 من أنصار مرسي وإصابة 435 بجروح. تصاعد بعدها خطاب منصة رابعة ليزداد عنفا وصدامية متبنيّا بعض المضامين التكفيرية والتهديدية وذلك من قبل بعض المتحدّثين مثل صفوت حجازي، طارق الزمر وغيرهم.

أثارت نبرة الخطاب ومضامينه جدلا حول قبول الإخوان له ولأصحابه إذ كان يمثّل نقيضا لهم لتوجّههم السلمي. في المقابل تجذر الخطاب العلماني حيث دعا إلى استئصال التيار الإسلامي ورأى أن لا مانع من سيل الدماء.

4- الطريقة الوحشية التي تم فض اعتصامي النهضة ورابعة والقساوة المفرطة في التعامل مع المظاهرات التي وقعت في العديد من المحافظات المصرية بعد ذلك كان لها أثرا شديدا على الجماعة وشبابها حيث ظهرت بوادر التحوّل الراديكالي. التوجه الراديكالي هو عودة للقطبية بما تمثله من “طهرية” في التغيير يميّز بين الإسلام والجاهلية كمرجعية إيديولوجية وعدم التوافق والالتقاء مع الأخر كممارسة سياسية ونضالية.

مواجهة العنف بالعنف نزوع بدأ يظهر رويدا في غياب إطار تنظيمي ومؤسساتي وأقلق قيادات تحالف دعم الشرعية الذي يتزعمه الإخوان المسلمون.

5- في الذكرى الأولى لفض اعتصام رابعة والذكرى الرابعة للثور ظهرت استراتيجية تصعيدية جديدة تبنتها مجموعات جديدة مثل “المجهولين” “حركة العقاب الثوري” “حركة المقاومة الشعبية” تمثلت في استهداف المصالح الاقتصادية ومصالح شركات كبرى ،وسائط النقل، أبراج الكهرباء والمحمول والمباني الحكومية. وفي خطة نوعية طالت عناصر الأمن أو المخبرين أو المتعاونين معهم.

هذا التصعيد تم أيضا على مستوى الخطاب الديني كأداة لتعزيز وتقوية الروح المعنوية وفتاوي تجيز قتل السيسي والبلطجية والقادة المجرمين كقصاص للشهداء وصدر عن رموز دعوية.

6- 29/01/2015، نشر موقع الجماعة رسالة حملت توقيع “فارس الثورة” ظاهرها كلام تاريخي عن الجماعة ومضمونها تحليل لشعارها “القوة والحرية” “.. مقتبسة قولا لمؤسس الجماعة حسن البنا يتحدث فيه عن أهمية العقيدة وقوة الوحدة وقوة الساعد وإلاّ يكون مصير الجماعة قوة الفناء والهلاك.” (1).

7- هذا التصعيد كشف عن ثلاثة أمور:

أ– خيارات التصعيد وقيادة المشهد السياسي أصبحت خاضعة لحراك الشارع وقواعد الإخوان وخاصة من الشباب الذين بدأوا يتواجدون بكثرة داخل الهياكل الإدارية للجماعة.

ب– انضمام شرائح غير إخوانية للحراك في الشارع وخاصة الشباب الذين اعتقلوا واضطهدوا أو المطاردين.

ج– أدّى الانقسام حول فكرة استخدام القوة إلى انسحاب البعض نحو ساحة العمل الدعوي وأخرين نحو استخدام القوة بشكل أكبر، وهذا ما أدى إلى حالة من التوتّر بين قيادة الجماعة وشبابها.

كما أدى إلى ثلاثة أمور:

أ– اهتزاز تحالف دعم الشرعية وتوجهه نحو التفكك حيث غادرته بعض الأحزاب مثل “الوسط”، “الوطن” وغلب الطابع الإخواني على الاصطفاف المعادي للانقلاب، كما أن المؤسسات التي أنشئت في الخارج مثل “المجلس الثوري” و”البرلمان الثوري” لا تكاد تملك أيّ تأثير في الداخل.

ب– التقارب الفكري بين شباب الإخوان وبقية الإسلاميين مثل الجبهة السلفية لاعتقادهم بأن المشروع الإسلامي هو المستهدف، وميل قطاع منهم إلى تبني فكرة استخدام القوة ضدّ ما سموا بممولي الانقلاب واستهداف مصالحهم الاقتصادية. كما وجد تقارب بين التيارات السابقة وحركات أخرى تتبنى مستوى أعلى في ممارسة العنف مثل “المقاومة الشعبية” و”العقاب الثوري”.

ج– فتور العديد من القطاعات التقليدية المؤيدة للإخوان في المشاركة في المظاهرات وخاصة بعد المواجهات العنيفة للذكرى الرابعة للثورة وتحلل الحراك السياسي للجامعات.

العنف العدمي: دوافع وكوابح

في مقابل عنف الأجهزة الأمنية وتجاوزها الخطوط الحمر من خلال استخدام القوة والاعتقال في حق النساء والفتيات وبروز شكاوى حول عدة انتهاكات في حقهن في السجون والأقسام، رفع شعار “ما دون القتل سلمية” من طرف شباب الجماعة وكثير من المتحالفين معها وأنصارها. هذا التوجه نحو القوة المحدودة كخيار للمواجهة يرتكز على استعمال الحجارة والمولوتوف دون المساس بالأفراد أو الدخول في مواجهات مسلّحة.

التوجه نحو التصعيد رافقته وجذرته جملة وقائع نوردها بإيجاز نظرا لتداعياتها المستقبلية على المرجعية الإيديولوجية للجماعة وبنيتها التنظيمية وحراكها النضالي:

1- تصعيد الأجهزة من عنفها قابله عنف مضاد تبنته تنظيمات جهادية مختلفة (أنصار بيت المقدس، أجناد مصر، كتائب أنصار الشريعة) طال قوات الشرطة والجيش قتلا وتفجيرا.

2- أعمال العنف المسلحة أقلقت قيادات الإخوان فسارعت إلى التبرؤ منها، لكنها بالمقابل وجدت استحسانا من شباب الجماعة كنوع من التشفي والمكايدة السياسية ممّا أحدث انقساما في الرؤية إلى التصعيد المطلوب بين شباب الجماعة وشيوخها .

الانخراط في مسار العنف العدمي يستبعده بعض الباحثين من خلال جملة من الوقائع والمبررات وهي كالتالي:

1- قبول شباب الإخوان لعنف الجماعات المسلحة دفع هذه الأخيرة إلى محاولة استقطابهم، لكن مبادرتها باءت بالفشل.

2- النهج الإصلاحي متجذر في أدبيات الجماعة التربوية والفكرية والاستعاضة عنه بالتوجه الجهادي كما هو سائد لدى تنظيم القاعدة وداعش يعد مستحيلا بالنظر للفارق العميق بين التجربتين والملابسات المصاحبة لكلّ منهما.

3- الأصول الطبقية لمنتسبي الجماعة (الطبقة الوسطى، المهنيون) تجعلهم أكثر انخراطا في الحياة الاجتماعية والدورة الاقتصادية للمجتمع، وبالتالي فهم أقلّ تعرضا للتهميش الاجتماعي الذي يعتبر الباب الرئيسي لولوج التطرف ورفض الأخر تمهيدا لتصفيته بمحفزات فتاوي تتشكل وفقا لتعقيدات حراك إقليمي ودولي تضجّ به المنطقة.

4- أظهرت المواجهات المستمرة بين الجماعة والسلطة الانقلابية أن للإخوان مفتاحين للقوة ساهما في عدم انطفاء شعلة الحراك في الشارع واستمرارية الصمود ورفع الروح المعنوية:

أ– خطاب ديني يحث على قيم الصبر والاحتساب ويحول دون تفشي اليأس والاحباط.

ب– بروز المرأة كرافد معنوي من خلال حراكهن في المظاهرات، تولي أعمال أزواجهن الذين غيبهم الاستشهاد أو زنازين السجون ومشاركتهم الرجال محنة الاعتقال والتنكيل.

5- التوجه نحو العنف بشكل مؤسسي وتطوره إلى احتراب أهلي مما سيضع النظام والجماعة معا في خندق المسؤولية الأخلاقية والقانونية، وهو ما تحاول الحركة تفاديه وإلصاقه بسلطات الانقلاب.

6- بيانات المتحدث باسم الجماعة واضحة في تحذير الشباب من الوقوع في فخّ العنف الذي تخطط له الأجهزة الأمنية ورفضها للقتل مع استخدام عبارات تصعيدية أحيانا.
7- التراجع الملفت للعمليات النوعية التي تستهدف تعطيل منشآت البنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية.

الجماعة التائهة: صراع الأجيال

لأول مرة منذ نشأتها البعيدة تعرف جماعة الإخوان المسلمون صراعا بين شيوخها وشبابها أي “صراعا جيليا” وهذه ظاهرة شاذة بالنظر للطابع الستاليني للتنظيم من خلال “إيديولوجية البيعة”. يمكن رصد أسباب الصراع، مظاهره ونتائجه كالتالي:

1- ترجع جذور هذا الصراع إلى عاملين:

أ– سخط الشباب ورفضهم لأداء القيادات الكبيرة للجماعة وغياب استراتيجية لديهم لمواجهة الانقلاب.
“..عقب نشر الدكتور محمود غزلان مقالا في موقع (نافذة الإخوان – القريب من الجماعة)، جاء بعنوان: بمناسبة مرور سبعة وثمانين عاما على تأسيس الجماعة دعوتنا باقية وثورتنا مستمرة . وهو ما رد عليه شباب الإخوان بان (الجماعة تعمل منذ سبعة وثمانين عاما والمحصلة ما زالت صفرية)” (2)

ب– شدة بطش السلطة في مواجهة الجماعة ممّا أدى إلى تغييب بعض قيادتها ومقتل آخرين.

2- دفعت العوامل السابقة نحو انتخاب مكاتب إدارية جديدة للمحافظات ضمت أعدادا أكبر من الشباب بعضهم أقلّ من 35 عاما. إعادة الهيكلة الإدارية للجماعة الغرض منها الوصول إلى جملة من الأهداف منها:

أ– القضاء على التضخم الإداري من خلال تقليل عدد اللجان الرئيسية.

ب– التحوّل نحو لامركزية اتخاذ القرار الميدانية على المستوى التنظيمي وعلى مستوى المواجهات.

ج– إقصاء محمود حسين، أمين عام الجماعة، والذي كان يتولى أيضا ملف الإخوان الفارين خارج مصر من ملف الحراك المناهض للانقلاب بعد اعتراضات شديدة على أدائه من الشباب.

د– بروز متحدث من جيل الشباب يحمل اسما حركيا “محمد منتصر” نهاية شهر يناير 2015.

3- ظلت عملية إعادة الهيكلة والاصطفاف تسير بشكل طبيعي إلى أن برز حدثان:

أ– “أعلن في أفريل الماضي (2015) عن تشكيل مكتب إداري في الخارج بقيادة أحمد عبد الرحمان لإدارة شؤون الإخوان الفارين من مصر وليكون همزة وصل بين قيادات الداخل والخارج.” (3).

ب- نهاية ماي 2015 سيل من البيانات والتصريحات الإعلامية دفعت الخلافات إلى السطح بين جيلين داخل الجماعة:

– جيل الشباب ممثلا في المتحدث الإعلامي وبعض شباب المكاتب الإدارية.

– جيل الكهول ممثلا في محمود حسين، محمود غزلان ومحمود عزت.

4- ظهور الخلافات علنا فسر بأنه انقلاب داخل الجماعة من خلال توجه القيادات التاريخية لتصدر المشهد والهيمنة على القرارات وهو ما أدى إلى تداعيات على مستويات متعددة منها:

أ– على مستوى الرأي العام:

فهم الخلاف على أنه تعارض حول التوجه إلى العنف أو الالتزام بالسلمية كما رأى أخرون أنه صراع على السلطة داخل الجماعة. لكن الأزمة أعمق من ذلك إذ أنها “… في جوهرها تتعلق بأزمة جيلية في طريقة اتخاذ القرارات داخل الجماعة، والنظر إلى المفاهيم العامة والتعامل معها. فثمة اختلافات حول مفهوم ’الثورية‘ وأليات اتخاذ القرار، ومفهوم ’مقاومة الانقلاب‘ ومفاهيم ’التواصل مع الخارج‘، واستقبال وطرح المبادرات، فضلا عن الأسئلة المتعلقة بمعنى كلمة ’المصالحة‘ وهل هي واردة أم لا ..” (4 ).

وبالتالي أصبح طرفا الجماعة لا يثقان في بعضهما البعض ويتبادلان التهم بتهديد الجماعة تنظيميا.

ب– على المستوى الأمني:

دفعت الأزمة إلى تكثيف الاتصالات والتحركات مما سهل رصد العناصر المتابعة واعتقالهم حيث تم القبض على عدد من قيادات الصف الأول كانت بشكل أو أخر طرفا في الأزمة الأخيرة.

ج– على المستوى التنظيمي:

شدة الأزمة دفعت مكاتب إدارية في القاهرة والإسكندرية للمطالبة بإجراء انتخابات لمجلس الشورى العام للجماعة واحتواء الأزمة.

5- في شهر جوان 2015 تم وضع اتفاق بين طرفي الأزمة لتجاوزها حيث قضى بإجراء انتخابات مجلس شورى جديد تكون مهمته الأولى اختيار مكتب إرشاد جديد لا يكون مثار خلاف .لكن الاتفاق جوبه بعقبات ، فقد اعترضت بعض المكاتب الإدارية صيغة تنفيذه. أما أكبر تحد فقد صدر من الجيل القديم، فقد سعى بعض أفراده إلى التنصل منه لإحكام سيطرتهم على مقاليد الجماعة من جديد. نشر القيادي الإخواني إبراهيم منير اللاجئ في لندن رسالة مطولة نهاية شهر جوان 2015، تحمل عنوان “إلى الإخوان الصادقين في بيعتهم”، مضمونها لا يحتمل لبسا “أشار فيها إلى أن مؤسس الجماعة حسن البنا لم يصل في أي مرحلة من المراحل إلى حد تفرقة الصف وتصنيف الأفراد بين متقدم ومتأخر، متناولا أهمية البيعة ودور القيادات التاريخية ومتحدثا عن السلمية ومنهج الإخوان في تلميح منه على صلابة موقف تياره ..” (5).

6- بعض قيادات الجماعة هونت من ثقل الأزمة وجعلت حلها رهين بانتهاء الانتخابات ، وهو وإن تباطأ لكنه قادم. رغم التفاؤل الظاهر إلاّ أن للأزمة وجها أخر أكثر حدة: بعد القبض على القائم بأعمال المرشد، لم يتم تعيين أحدا مكانه ولم تعرف الاستراتيجية التي ستتعامل بها الجماعة مع الأمر، وهل سيقع الإعلان عن اسم المرشد أم يبقى طيّ الكتمان؟ وإذا كان مستحيلا للجماعة الاستمرارية دون رأس فأيّ من طرفي الأزمة سيكون من نصيبه؟

7- تحديات الانقلاب وما صاحبه وتلاه من إجرام وبطش شديدين أفرز جيلا جديدا داخل الجماعة وهو يعمل على تشكيلها من خلال مستويات ثلاث :

أ– المستوى الفكري: استحضار أدبيات سيد قطب وأفكار الإسلام الثوري، التشكك في أليات الديمقراطية وقدرتها على الوفاء باستحقاقات التغيير والإصلاح، تراجع الفكر المهادن للسلطة أو التقارب معها والاستعداد للمواجهة والصدام.

ب– المستوى التنظيمي: نموّ لامركزية اتخاذ القرار داخل الجماعة، المحافظة على نظام الأسر بقوة مما يعكس صلابة واستمرارية بقاء التنظيم، إجراء انتخابات لمجلس الشورى تمهيدا لاختيار أعضاء مكتب الإرشاد.

ج– المستوى البشري: تغلب رؤى الشباب على الشيوخ وتوجه نحو تشبيب البنية القيادية للتنظيم، حضور نوعي للمرأة وتجاوز لوظيفتها التقليدية داخل الجماعة سابقا المتمثّل في الدعوة والتربية نحو العمل السياسي والنضالي.

آفاق المأزق: التحديات المعلقة

1- المواجهة التي تخوضها جماعة الإخوان المسلمون منذ أكثر من عامين مع سلطة الانقلاب الدموية طرحت عليها تحديات أنية ومستقبلية يمكن إيجازها كالتالي :

– كيفية التعامل مع ملف المعتقلين الذين تقدر أعدادهم بعشرات الآلاف.

– تجاوز حالة الحصار والتضييق المستمرة خاصة بعد اعتقال قيادات من الصف الأول وانكشاف أوراق وأسرار الجماعة.

– التهديد الذي يطال القاعدة الشبابية للجماعة واحتمالات تفككها وتوجهها نحو مسارين: العمل الدعوي الصرف والابتعاد عن السياسة أو الانخراط ضمن الجماعات الجهادية وتبني العنف العدمي.

– حل أزمة القيادة المهددة بالانقسام بين تيارين:

أ– تيار الشيوخ الفارين في الخارج والذين بيدهم المال والنفوذ.

ب– تيار الشباب الذي يقود المواجهة في الداخل ويسيطر على الهياكل الإدارية والمنابر الإعلامية للجماعة.

– الوصول إلى استراتيجية واضحة المعالم ترسم طريقة التعامل مع الأزمة وتداعياتها الحاضرة والمستقبلية وتجاوز حالة الجمود وضبابية الرؤية.

– عملية شيطنة الجماعة إعلاميا وبشكل كثيف يحمل في سياقه تحريض على أفرادها والمتعاطفين معها مما يدفع نحو صراع داخلي يمكنه أن يتطور إلى نوع من الاحتراب الأهلي.

– التحدي القاسي الذي تواجهه الجماعة حاليا يدفعها إلى الاسراع بتقديم إجابات حاسمة وواضحة لأسئلة ظلت معلقة منذ نشأتها: هل هي جماعة دعوية تهدف إلى إصلاح المجتمع أم حزب سياسي يسعى للوصول إلى الحكم؟

– كيف يمكن إقناع القوى الإقليمية والدولية بالطبيعة السلمية للجماعة وأهمية دورها في تحقيق الاستقرار داخل مصر مما يعزز موقفها في حالة وجود مفاوضات مستقبلية بينها وبين النظام.

2- على عكس مراحل تاريخية سابقة حيث تتم تفاهمات بعد الصدامات بين الإخوان وأنظمة الحكم آنذاك أو بعدها إلاّ أن هذه التجربة الجديدة حملت معها معطيات جديدة تجعل من المستحيل حاليا الوصول إلى مصالحة، ويمكن بيانها كالتالي:

أ– أصبحت قيادات الإخوان في الخارج أسيرة في قراراتها لتأثير الحراك التقليدي والنوعي في الداخل وقياداته الشابة ويرغمه على التوجه بعيدا عن قناعاته، وهذا ما يتم رفضه.” … ولكن المشكلة أن ما يتم طرحه الأن من تغيير الخط العام لفكر الإخوان في منهج التغيير نفسه أقرب لحالة الانحرافات الفكرية منه للمراجعات، ويغلب عليه حالة رد الفعل لا الفعل.” ( 6)

ب– يعتبر الحراك الداخلي أن عودة مرسي مسألة غير قابلة للتفاوض، وأن المصالحة دون محاسبة بعد المجازر التي وقعت وحملات البطش المستمرة وإن تمت فهي تهدد الجماعة بالتفكك وفقدانها لرأسمالها من القوى الشبابية التي من الممكن أن تتوجه نحو جماعات العنف المنظم.

ج– أظهر النظام منذ البداية توجها استئصاليا خالصا. فلم يسع إلى الحوار ولم يرغب في المصالحة، وحتى الرموز التي بقيت طليقة والتي من الممكن أن تشكل لاحقا أطرافا تفاوضية عمد إلى اعتقالها أو قتلها في أجواء من الدعاية الاعلامية الحاقدة التي تشيطن الجماعة وتدفع إلى تصفيتها.

د– رغم وجود أحاديث عن وساطات ومصالحات تلعب فيها السعودية دورا جوهريا إلا أن ذلك بقي في إطار الكلام المرسل ولا ينم عن مبادرات جدية وفعالة. وهذا يبين أن القوى الخارجية لا تملك بعد أدوات التأثير في كلا الطرفين أو تدفعهما نحو التراجع.

3- بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة وإظهار السيسي لتوجهه الدموي الاستبدادي شرعت المكونات السياسية والشبابية لمعسكره الانقلابي في الانفضاض عنه مثل حركة 6 أفريل، حركة الاشتراكيين الثوريين وبعض رموز النخبة والتوجه نحو المعارضة الكاملة له. التوجهات السابقة رافقتها دعوات لوحدة الصف من جديد لأن السلطة الجديدة أظهرت أن مصير الإخوان لن يشكل إلا بداية لحملة تصفية شاملة ستطال كل من هتف في يوم ما “يسقط يسقط حكم العسكر”. أي جميع القوى الثورية.

رغم وحدة المأل ومأسويته إلاّ أن وحدة الاصطفاف لما كان قبل ديسمبر 2012 أصبح متعذرا للأسباب التالية:

أ– تواصل حالة إلقاء المسؤولية المتبادلة في تمكين العسكريين من تقاليد الحكم.

ب– بقي الاصطفاف الإيديولوجي حاضرا بقوة مع ما لزمته من كيدية سياسية تنسف أيّ إمكانية للتواصل والتوحد من جديد.

ج– رغم تعاطف العديد من التيارات السياسية والشبابية لما يحدث للإخوان من بطش وتنكيل إلا أنهم لا يرغبون في دفع الثمن الذي يدفعونه ويرون أن توجههم مخالفا لهم.

سيناريوهات المستقبل: جدل السكون والحركة

يطرح المراقبون للمواجهة القائمة بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين سيناريوهيين رئيسيين لمستقبلها:

1- سيناريو سكوني:

يتبنى هذا السيناريو نخب الإخوان والقيادات الكبيرة فيها، أما القواعد الشبابية وإن لم ترفضه بشكل صريح فإنها لا تنخرط فيه. يتخذ هذا السيناريو من السلمية والصبر والانتظار استراتيجية في المواجهة ويحدو أصحابه أمل في حدوث أمرين:

أ – انقلاب على الطريقة السودانية ( 1989) يتبنى الانقلابيون بعدها تحالفا ذو طابع مصلحي أو سياسي مع الجماعة وفي أدنى الحالات إيقاف النهج الاستئصالي ضدها. ما يعزز هذا الطرح لدى أصحابه الحديث عن انقسامات وصراعات داخل المؤسسة العسكرية.

ب – استفحال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مما سيحول مصر إلى دولة فاشلة وبالتالي سيدفع أطرافا داخلية وخارجية مهددة مصالحها إلى التدخل والضغط على الطرفين للدخول في مفاوضات تحت إشرافها وضمن شروط مقبولة من الجهتين.

2- سيناريو حركي:

تتبنى هذا السيناريو القواعد الشبابية من داخل الجماعة وخارجها دون تقدير حصيف لآلياته ومآلاته. يتخذ هذا السيناريو من الصدام والمواجهة الجذرية مع النظام منهجا. تغلب على هذا التوجه “المراهقة الثورية” وما تختزنه من ضبابية وغموض في وضع الخطط دون تقدير لنتائجها المستقبلية، وهو يدفع الأوضاع نحو مشهدين:

أ– مشهد إيراني – جنوب إفريقي: يقوم على إرباك النظام ومحاولة إضعافه من خلال ضرب مصالحه الاقتصادية وبعض العمليات النوعية مما يؤدي إلى إرخاء قبضته الاستئصالية وفي أفضل الحالات مهادنة الجماعة. أو انتهاز فرصة تدني شعبيته وتدهور الأوضاع المعيشية لمواجهته بشكل جذري على الطريقة الإيرانية.

ب – مشهد استئصالي خالص: تتقاطع تفاصيله بين تجربة مصر عبد الناصر، سوريا حافظ الأسد وتونس بن علي. يحدث هذا في حال تم تجاوز الخطوط الحمر من أحد الطرفين (تنفيذ حكم الإعدام في بعض رموز الجماعة، اغتيالات تطال بعض قادة النظام الفعليين) فتتحول المواجهة من الطابع السياسي إلى الحرب الأهلية بفعل التحريض وإذكاء نزعات الانتقام، ولا يمكن للأطراف الخارجية حينئذ إلا أن تخفف ضغطها على النظام مما سيطلق يده في البطش والتنكيل حفاظا على استقرار الدولة وتثبيتا لأركانها.

لا أحد يستطيع أن يقطع بثقة أي السيناريوهين يمثل مستقبل العلاقة بين النظام وجماعة الإخوان بالنظر لعاملين:

أ– الوضع الإقليمي والدولي حيث يسود الأول الفوضى السياسية والأمنية بينما يستنكف الثاني عن التدخل مكتفيا بالمراقبة والانتظار والحرص على عدم التورط في المستنقعات الأوسطية.

ب– الإرادة الصارمة لدى الطرفين على المواجهة دون ضعف أو تنازل: النظام من خلال إصراره على المضي بعيدا في نهجه الاستئصالي والجماعة من خلال مثابرتها على الصمود والمقاومة.

فرحات عباس
باحث في الشؤون المغاربية
30 أكتوبر 2015

الهوامش:

1- إعادة تموضع الإخوان ح2 – عبدالرحمان يوسف – العربي الجديد 08/07/2015.
2- زيارة لإيران فجرت أزمة القيادة الأخيرة – محمد عزام – العربي الجديد 29/05/2015.
3- إعادة تموضع الإخوان ح3 – عبد الرحمان يوسف – العربي الجديد 09/07/2015.
4- مرجع سابق.
5- مرجع سابق.
6- أزمة الإخوان .. حقيقة الأسباب وقراءة في المألات – عبد الله الكريوني – العربي الجديد 04/06/2015.