الموت هو أبشع وأصعب ما يمكن لإنسان أن يمر به كتجربة، وذلك الألم الأخرس، الجارف بعنف، ذلك التمزق الملتهب، الذى يزأر فى أعماق القلب ويستحوذ على كياننا، لا يوجد أى شئ على الإطلاق يمكن أن يصفه، ولا يوجد ما يمكن أن يعوّض تلك الخسارة الفادحة. فالموت له قدسيته التى تضعه على قمة الآلام المعاشة. لكن، من هنا إلى القيام بإستخدامه لغرض ما، أو ترويجه إعلاميا أو تتجيره وتحويله إلى سلعة للتكسب منه، فهنا الوضع يختلف تماما.

وصباح اليوم التالى لهذه الأحداث البشعة، التى جرت يوم 13 نوفمبر 2015، كل أوروبا تقريبا ومعظم بلدان العالم وكأنهم على إتفاق مسبق، إتشحت باللون الأزرق والأبيض والأحمر، تضامنا، وتم إصدار قوانين وقرارات، كما تم تأجيج المشاعر إعلاميا.. ومن جهة أخرى تم إطلاق نداءات لإحضار ورود بيضاء أو جمع تبرعات لإحضارشباب من شبيبة “يوم الشباب العالمى”، وهو تجمّع شباب الكاثوليك من العالم أجمع، وكان البابا يوحنا بولس الثانى هو الذى إبتدع الفكرة؛ كما تم إطلاق نداءات لمساهمة فرقة “رولينج ستونز” لحضور الجنازة الرسمية التى ستقام، ونداءات لتجميع فنانين لتزيين تابوت إحدى الضحايا، كما تضامن 15000 من سكان مدينة تولوز تحية للضحايا، وكلها ردود أفعال مفتعلة تتوسط الأحداث وتشى بأن هناك إخراج مسرحى مغرض لها! فكل هذا الديكور المسرحى أو الكنسى لا يعوض شيئا عن الرحيل الإجرامى لتلك الضحايا.

ونفس هذا التهليل الإعلامى، وعلى نطاق أوسع، كان قد تم فى يناير عند مطلع هذا العام، حيث تجمع مئات الآلاف من المواطنين من أجل ضحايا جريدة “شارلى إبدو”، بمؤازرة خمسين دولة وبعض رؤساء الدول أو رؤساء الوزارات وكبار االشخصيات للمشاركة فى المظاهرـ المسيرة التضامنية يوم 11 يناير 2015، وهى ظواهر تطرح العديد من التساؤلات وعلامات الإستفهام حول المحركين الحقيقيين لهذه الجرائم، إذ إن هذا الصخب الإعلامى، غير التقليدى، هو أكثر من كونه مجرد مواساة للمنكوبين.

إن ما يتم حاليا هو عملية تدويل للآلام، المثارة بصورة مفتعلة، سواء على الصعيد المحلى أو الدولى، مصحوبة بترديد عبارة “إعلان الحرب” ضد الإسلام والمسلمين، التى تم تداولها سريعا بدأ برئيس الجمهورية الفرنسية، الذى يتبع خطى السياسة الأمريكية بدأب، والذى أدرك لتوه، ويا لهول المفاجأة، أن فرنسا فى حالة “حرب”!؟ ألم يكن يعرف أن فرنسا تساهم فى الحروب المفتعلة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، سواء فى أفغانستان أو العراق والصومال وساحل العاج وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا ومالى وسوريا، وأن كل هذه الدول، ويا لغرابة الصدف، كلها دول مسلمة؟!

والأدهى من ذلك، فإن رئيس الدولة الفرنسية يقوم بلقاءات هذه الأيام مع بعض أقرانه البريطانيين والألمان والروس لمحاولة وضع خطة أوالقيام بعمل تحالف كبير ضد الدولة الإسلامية! دولة قام بتكوينها وترويضها وتزويدها بالمعدات وتحكم فى خط سيرها، نفس تلك العصابة المتحكمة فى مصائر الشعوب. وياله من موقف عجيب! إذ لم يتحرك أحدا من أجل القيام بمثل هذا التحالف ضد الصهاينة الذين استولوا على أرض فلسطين منذ 1948، بموافقة تلك المجموعة، ولا يكفّون عن مطاردة الفلسطينيين بمذابح القتل العرقى التى تدور بكل وقاحة أمام أعين العالم الذى لا يحرك ساكنا! كما لم يتحرك أحدا من أجل آلاف جثث الروهينجيا المتراكمة على شواطئ بلدانها، وهى صور قد جابت العالم. ولا يفوتنى تأكيد أنه منذ التاسع من سبتمر 2001 وقتلى المسلمين يحصون بالملايين وليس بالعشرات، ويا لها من معايير مختلفة حيال الموتى وحيال الإحتفال بهم…

وبعد أحداث 11/9/2011 المصنوعة محليا، أعلن جورج بوش، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، القيام “بحرب صليبية” ضد الإرهاب، وما نعيشه منذ ذلك الوقت هى حرب صليبية فعلا، إبتدعوها لإقتلاع الإسلام، وتتعدى أبعادها تلك التى أشعلها البابا أوربان الثانى قديما و تتواصل حتى يومنا هذا، بتصعيد لا يجب ولا يجوز السماح به، فهى حرب ضد بلدان كل خطـأها أن أراضيها تحوى منابع بترولية وغازية وموارد أخرى أساسية ومعاعدن ثمينة. وكذلك الغزو المجنون للعراق، بلا حتى موافقة هيئة الأمم، لمجرد أن الولايات المتحدة تشككت، وأعيدها: تشككت فى أن تلك الدولة تمتلك أسلحة دمار شامل، فهل هذا معقول؟ ولم يحاسبها أحد!

ومن ناحية أخرى فإن البابا فرنسيس لا يكف عن ترديد بإنتظام وصياغات مختلفة عبارة “الحرب العالمية الثالثة قد بدأت”. وما شأن رجل دين بإعلان أن الحرب العالمية قد بدأت، وذلك منذ أكثر من عام وحتى قبل أن تقع، إن وقعت؟ إذ ليس بالنسبة له الإرهاب والصراعات المسلحة التى تهز العالم هى “حروب مجزأة” فحسب وإنما حتى الإعتداءات التى وقعت فى باريس فى يناير فى مطلع العام وفى نوفمبر الحالى هى أيضا “أجزاء” من تلك الحرب الدائرة “غير التقليدية” و”المتناثرة”!

وعلى سبيل المثال، فقد أعرب عن ذلك ولم يكف عن ترديد عبارة “الحرب العالمية قد بدأت”: يوم 18/8/2014 فى المؤتمر الصحفى وهو عائد من كوريا؛ ويوم 13/9/2014 بمناسبة الإحتفال بمئاوية الحرب العالمية الأولى فى المقابر العسكرية بمدينة رديبوليا بإيطاليا؛ ويوم 28/10/2014 أثناء خطابه فى اللقاء العالمى للحركات الشعبية فى روما؛ وفى 30/11/2014 أثناء الحديث الصحفى عند عودته من تركيا؛ وفى 6/6/2015 فى مدينة سراييفو بالبوسنة والهرسك؛ وفى 9/7/2015 أثناء اللقاء العالمى الشعبى الثانى فى سانتاكروز ببوليفيا؛ ويوم 14/11/2015 فى حوار هاتفى مع قناة TG2000 بعد أحداث باريس.

كما راح يسخر قائلا :”كل شئ مصتنع”، إن “العالم يواصل القيام بالحروب”، “العالم لم يتخذ طريق السلام”، “فى كل مكان توجد حروب، اليوم لا نرى سوى الكراهية، فما الذى يتبقى؟ أنقاض، آلاف الأطفال بلا تعليم، العديد من الموتى، كمّ هائل منها! كمّ من النقود فى جيوب تجار السلاح، عليهم اللعنة”! ثم يواصل: “الحرب يمكن تبريرها بعدة أسباب، لكن حينما يكون العالم أجمع فى حالة حرب عالمية فعلا، مجزأة هنا وهناك، فلا تبرير لذلك. إن الله يبكى”! ولمزيد من تفعيل الدرامية فى حديثه يضيف: “من مصلحتنا أن نطلب من الله نعمة البكاء على هذا العالم الذى لا يعرف طريق السلام، الذى يعيش من أجل اشعال الحروب، ويسخر قائلا أنه لا يقوم بها”. إن رئيس دولة الفاتيكان هذا لا يجهل يقينا أن مؤسسته تتعامل مع المافيا وتتاجر بالسلاح وبالأعضاء وبالأطفال وبغسيل الأموال، و و وتطول القائمة..

ورغم هذا الأسلوب المأساوى نشير إلى ثلاث كلمات مما قاله: أن كل شئ مصطنع، والكراهية، وطلب نعمة البكاء. ولقد أطلق عليه أحد الصحفيين الفرنسيين صفة “مخادع”، وأضيف إليها عبارة “ممثل قدير”، فهو يدرك أن كل ما يحاك ضد الإسلام مصطنع منذ قرارات مجامعه تنصير العالم، وأن الكراهية تؤججها مؤسسته وكل التابعين لها. وبدلا من أن يطلب وقف الحروب “فورا”، مثلما أطلقوها بعد وفاة البابا يوحنا بولس الثانى لإضفاء القداسة عليه “فورا”، راح يطلب من الله أن يمنحنا نعمة البكاء”!

فما من إنسان يجهل أن العالم المتأجج الذى نعيش فيه هو نتاج السياسات والتدخلات المتعمدة التى تقودها الولايات المتحدة طوال العقود الماضية والتى تتضافر مع برامج الفاتيكان خاصة منذ 1965 ،عند إعلانه إقتلاع الإسلام حتى تبدأ الألفية الثالثة والعالم كله قد تم تنصيره!

لذلك أقول له أننا لسنا فى حاجة إلى أن يطلب من الله “نعمة البكاء”، وإنما أن يلهمه الشجاعة لإدانة وكشف كل تلك الأهداف الشيطانية التى يقودها “بورع” هو ومؤسسته ، منذ أحقاب طويلة. وبدلا من أن يعلن عن قيام الحرب العالمية الثالثة التى تدار بالتجزأة، وإصراره على إلغاء الآخر، الذين هم “المسلمون”، ليبدأ بتطهير المسيحية من كل ما أضافته مؤسسته على نصوصها عبر القرون، وليبدأ بتطبيق “العيش معا” على هذه الأرض، لأن هذه الأرض ملكا لكل سكانها، بلا أى إستثناء.

وسواء إرتضى ذلك أم لا، فكلنا أقرباء، ننتمى إلى عائلة سيدنا إبراهيم، وكلنا جيران نعيش على نفس الأرض التى هى من حقنا جميعا. لنتحد لتنميتها بأوسع معانى هذه الكلمة، ماديا ومعنويا، لأن القنبلة حين تسقط لا تفرق بين يهودى ومسيحى ومسلم.

زينب عبد العزيز
26 نوفمبر 2015