هذه ليست قصّة من نسج الخيال، ولا حكاية تناقلتها شفة عجوز عن عجوز عن عجوز، تجمّع الصّغار من حولها ذات ليلة ممطرة غرس البرد القارص في تضاريس السماء والأرض أنيابه..

هذي ملحمة… لو تناولتها ريشة فنّان لوجد نفسه مرميا في مصحّات الأمراض العقلية من فرط مشاهد العذابات والأحزان والأحلام الموؤودة… ملحمة لو اجتمعت أقلام الأدباء والشعراء لإخراجها نصًّا فنيًّا لتوشّحت الكلمات والقوافي بالسحاب ولرأينا معين الدمع دمًا يملأ ساحات الكلمات والقوافي..

هي عصفورة فريدة.. كان لها عشّ.. وعشّها كما قالت: كان جنّتها ورياض أنسها… في أرجائه ريحانتان صغيرتان.. وعصفور سمح طيّب حنون يجيء ويروح في أمان..

وذات شتاء غصّت السماء بالنسور والصقور الجارحة ومادت الأرض واضطربت من وقع حيّات ووحوش مفترسة..

هرج ومرج يعمّ المكان.. تأخّر على غير عادته عصفور العصفورة الفريدة.. يحدّثها قلبها الصغير الكبير أنّ خطبًا حلّ بحضنها الدّافئ… أنّ يدًا حاقدة غادرة امتدّت إليه..

صدق قلبها وليته ما صدق.. فرحلة العذاب بدأت.. رحلة البحث عن الحبيب الغائب بدأت، رحلة ترقّب عودة النورس مع كلّ شفق بدأت.. يا الله كم هي متعبة مضنية – بدأت -..

صارت حركة وفود الزائرين تقلّ يوما بعد يوم.. فالذين كانوا يأكلون ويبيتون في حضرة العصفور خانوا ونسوا فضل وكرم العصفور.. تركوا العصفورة الفريدة تهيم على وجهها كلّ صباح ومساء بحثًا عن عصفورها المغيّب.. تورّمت قدماها من المشي ويداها من حياكة الصوف لتسدّ رمق صغيرتيها ولتحفظ يديها من ذلّ السؤال المذلّ لكرامة كلّ كريم..

في زحمة البحث نسيت أنّها عصفورة… بل وجدت نفسها تبحث عن زوجها من جهة وتبحث عن مخارج وحلول لعصفورات حلّ بعصافيرهنّ ما حلّ بعصفور – الفريدة -..

منطق القبيلة والأعراف – اللاّعرفية – يعشّش في أفهام – عديمي الأفهام – … فالإعدام وقتل الحياة يجري تنفيذه في العصفورات ساعة اختفاء العصفور..

ما كتبته هو غيض من فيض.. ما كتبته تلميحًا لا تصريحًا هو جرح من جراح عصفورة فريدة روته لي… ولو أنّها تأذن لأبكيتكم جميعًا كما أبكتني وأنتم تقرأون مقطعًا من ملحمةٍ مداد الحبر يبكيها…

أحرف الكلمات تبكيها… مساحة أوراق الأرض تبكيها… وأنّي لأعلم أنّها ساعة تقرأ ما كتبت ستبكي وتبكي وتبكي لأنّها وجدت ربما أخيرًا من يبكي معها بلا خوف بلا خجل بعد عقدين من حجب وستر الدموع عن الأنظار..

حكيم قاسم
عضو المجلس الوطني لحركة رشاد
21 جانفي 2016