لم تكن المسافة التي تفصل بين منزل ريحانة، والمتوسطة التي كان يدرّس فيها والدها، سوى بضع خطوات لا غير..

قلبها الصغير كان ينتظر بشغف كبير، انقضاء سويعات عمل قرّة عينها وفؤادها ووجدانها – إسماعيل – مدرّس مادة علوم الطبيعة والحياة..

إذ لا شيء يعادل تلك اللحظة، لحظة انكباب والدها الحبيب على جسدها الغض الطريّ، ليحملها بين ذراعيه في انتظار ضمّها إلى صدره مقبّلا كلّ مساحة من جسدها، فلريحانة مكانتها في غسان قلبه كما لأخيها إدريس الذي يكبرها بأربعة أعوام.. فريحانة ساعتها كانت في الشهر السابع بعد الولادة..

لم يدر في خلد ريحانة أنّها ستُحرم يوما من سماع خطو إسماعيل نحوها وهي في مهدها تلهو ساعة وتبكي لحظة سقوط مصّاصة الحليب من فمها.. أو تُحرم من طلّة وجهه البشوش وقد أقبل عليها مناغيا ومداعبا وممرّغا إيّاه فوق بطنها الصغير..

لم تكن وحدها تظنّ حدوث ذلك، فحتّى حكيمة زوج إسماعيل لم تك تدري ما في رحم الأيّام..

تحدّثني – وأحسب أنّ عينيها صارتا مثل شفق الغروب – أنّ حياتها وحياة الأسرة بأكملها انقلبت رأسا على عقب ذات إثنين من شهر جانفي 1994 وقد سلخ من عمره 17 يوما..

تقول حكيمة: في ذلك اليوم، عرفت قرية أولاد تبّان التابعة لدائرة صالح باي لولاية سطيف، عرفت انتشارا مكثّفا لناقلات الجند من عسكر ودرك..

وأنّ والد زوجها الذي أصبح الآن فاقدا للوعي، قال لها: إنّني خائف على إسماعيل اليوم.. إسماعيل كان كما روت لي حكيمة محبّا للجبهة الإسلامية للانقاذ..

تخوفّ والد إسماعيل كان في محلّه، فقدّام منزل ريحانة كانت سيارة رمادية اللون من نوع رونو18 تترصّد وتنتظر ساعة الانقضاض، الانقضاض على كلّ شيء.. فإسماعيل كان للعائلة هو كلّ شيء..

والملفت أنّ السيارة لم تكن للأمن بل لمواطن اسمه – صالح تركي – لكن من بداخلها ليس صالح تركي بل رجال أمن بالزيّ المدني جاؤوا لقتل الحياة..

حكيمة وقتها كانت داخل حجرة التدريس في نفس المتوسطة التي يعمل فيها إسماعيل.. ربما كانت ممسكة بقطعة طبشور تعلّم تلامذة الصفّ حالات تقدّم الخبر على المبتدأ أو متى تُكتب الهمزة على النبرة أو أو أو لست أدري ولم أسألها ما كانت تفعله وقتها.. الذي تذكره وذكرته أنّ زوجها دخل إليها وسألها عن بطاقة تعريفه وانصرف، انصرف وفي فمه كلمات لم يبح بها لها. كان مضطربا لأنّه كان شاعرًا أنّ خطبًا ما ينتظره..

البطاقة كانت في منزل ريحانة، وريحانة تنتظر عودة الغالي، لكنّه لم يدر مفاتيح المنزل ولم يدخل ولم يحملها ولم يقبّلها كما عوّدها، فالسيّارة التي تترصّد المكان لم تسعفة لحظة.. أخذوه كما أخذوا معه صاحب محلّ بيت ريحانة الذي أشبعوه ضربًا وركلًا لأنّه لم يدلّهم حين سألوه عن إسماعيل..

إسماعيل لم يقضِ سوى اثني عشرة يومًا.. مات.. استشهد.. نُزعت روحه بعد أن فرّقوها ووزّعوها غلًّا وحقدًا بين العصيّ وخيول الكهرباء واللكمات والركلات..

حين أخذوه بكت الحجرات عليه ومن في قاعات التدريس.. بكاه تلاميذه، بكاه زملاؤه.. بكته القرية بأناسها وطوبها وأشجارها.. بكوه كما بكته حكيمة التي التحفت الأرض والسماء ملاءات حزن وحداد.. لكن بكاء ريحانة لم يكن كبكائهم، فالتي أبكوها حين فجعوها لم تكن ريحانة فحسب بل كانت البراءة في أسمى وأبهى تجلّياتها..

إذ حين جاءت ريحانة للحياة، قال إسماعيل لحكيمة: “هذي ريحانة أشمّها، ورزقها على الله”.. يا الله.. هي ريحانة يشمّها ورزقها على الله..

وكبرت ريحانة واشتدّ عودها ورزقها يجري بين يديها فلا سيارة رونو 18 أوقفت انسيابه ولا خيول الكهرباء والعصيّ والركلات واللكمات صدّته عن ريحانة.

ريحانة كبرت، تعلّمت، تفوّقت، ولم يعد يفصلها عن تحصيل درجة ماستر2 سوى أشهر..

رسالة ريحانة كانت في دمعتها الحرّى التي سكبتها ذات إثنين..

رسالتها كانت “حين بكت ريحانة” وقد وصلت، أجل وصلت..

حكيم قاسم
عضو المجلس الوطني لحركة رشاد
27 جانفي 2016