لم يكن سالم قدّاش، وهو ينزل الطوابق السبع لإحدى عمارات مدينة البويرة، أنّها ستكون المرّة الأخيرة.. وأنّ سيارته الحمراء من نوع “آر5” لن تضمّه بعد الآن.. لم يكن الوحيد الذي لا يدرك ذلك.. فلا عقيلته يمينة كانت تدرك ولا سليم الإبن الأكبر ولا إيمان أو محمّد أمين ولا حتّى العنقود الأخير رضوان كانوا يدركون.. لا شيء كان يوحي بذلك.. فسالم مسالم بطبعه، لا شأن له بالسياسة.. لم يك متحزّبا.. يهوى كرة القدم كما يهوى الاستماع للغناء الشعبي.. الحاج العنقة ودحمان الحراشي وكمال مسعودي يستهوونه..

رياض أنسه كانت في أولاده الذين قال عنهم ليمينة: هؤلاء إخوتي لأنّ سالم كان وحيد والديْه.. حديثه معهم خليط من حنان وعاطفة الأبوّة ونشوة الأخوّة.. لكن وقع الذي لم يكن في الحسبان..

فالذي وقع، منقوش في ذاكرة السيّدة قدّاش.. هذه الذاكرة التي ورغم مرور عقدين من الزمن مازالت في ريعان شبابها فالذي وقع، وقع منذ شهر أو شهرين أو أقلّ منهما بالنسبة ليمينة.. ففي صبيحة آخر يوم من شهر جانفي 94 كان سالم رفقة أسرته.. كانوا داخل السيارة الحمراء، سالم وعن يمينه يمينة والمقاعد الخلفية ضمّت الصغار الأربعة.. وشوشات الصغار كانت تداعب مسمع سالم، كان يقابلها بضحكته التي لم تكن تفارقه إلاّ لمما..

لم تكن المسافة بين مقرّ سكنى عائلة قدّاش والمدرسة التي تعمل فيها يمينة مدرّسة لمادة اللغة العربية ولا حتّى المتوسطة التي يدرس فيها سليم وإيمان ولا حتّى مقرّ عمل سالم الموظّف بالصندوق الوطني للتوفير والاحتياط، لم تكن تزيد عن عشر دقائق، هذه العشر دقائق كانت آخر عشر دقائق يقضّيها سالم رفقة أمّ العيال والعيال تحت سقف سيارته التي ستحنّ إليه بعد ساعة من الزمن.. فبعد أن أوصل يمينة وإيمان وسليم.. وبعد أن ركن سيارته أمام مقرّ عمله وقد اصطحب محمد أمين ورضوان معه لمكتبه، لم يدر في خلد السيارة – وأنّى لها ذلك -.. أنّها لن تراه مجدّدا ولن تجد مستقبلا رائحة أنفاسه، ولن ترى أصابعه وهي تدير مفتاح المحرّك..

لم أر سالم.. ولم أر محمد أمين.. ولم أر رضوان.. لكنني أحسب أنّ سالم كان يوصي محمد ورضوان بعدم العبث أو الاقتراب من مكتبه.. ألاّ يحدثا فوضى بالمكان.. زملاء سالم كانوا يضحكون وينكّتون بين الفينة والأخرى مع رضوان ومحمّد.. سليم وإيمان كانا هناك، في المرفق البيداغوجي للمتوسطة.. ربما كانا يجريان فرضا من فروض الفصل الثاني أو ربّما كانا في ساعة مداومة لست أدري..

مرّت ساعة من الزمن.. ها هو مدير الابتدائية يقترب من حجرة المعلّمة قدّاش يمينة.. ينظر إليها.. تهرع السيّدة قدّاش إليه.. لم يكن لوحده.. دقّات قلب يمينة يكاد يُسمع من بالمؤسسة.. وعن يسار أو يمين المدير – لست أدري كذلك – الذي أنا متأكّد منه أنّ المدير جاءها وبرفقته زميلين لزوجها سالم ومع الزميلين ولديْها محمد أمين ورضوان.. تغيّر لون يمينة.. ماذا جرى؟ أين سالم؟ ماذا يفعل ولداها مع زميليْ زوجها؟ ما الذي أحضرهما أصلا؟

أهرعت أوّلا نحو صغارها أم هرعا إليها لست أدري.. أبكت أم بكيا وقد ضمّ الواحد منهم الآخر، أو تجمّع جميعهم في جسد وحضن واحد لست أدري.. لكنني أدري لأنّي أحسّه أشعر به أعيشه، أنّ كلّ ذلك حدث.. كيف؟ لا أنا ولا أنت يا قارئي ندري.. انظر للمشهد ويكأنّه أمامي.. هالة من الذهول والأسى والأسف تخيّم على المكان.. المدير في حيرة من أمره.. زميلا سالم في ارتباك وخوف وذهول..

ظنّت يمينة أنّ حادثا وقع لزوجها.. حادث سير، حادث عمل، نوبة قلبية، جلطة دماغية… لكنّ شيئا من هذا لم يقع لسالم..

“سالم أخذته الدولة”.. جاءوا بالزيّ المدني.. كانوا ملثّمي الوجوه..

هكذا جاءها الخبر من زميلي سالم.. لماذا؟ لا أحد يعرف..

تذكر يمينة أنّها لا تذكر كيف غادرت المؤسسة.. غادرت وتمارين الحساب كانت على السبّورة تنتظر الحلول.. تلاميذها ببراءتهم يتهامسون فيما بينهم ما بها معلّمتنا الحنونة.. لم أخذت أدواتها وتركتنا دون كلمة وداع منها؟ أهي مريضة؟ أوقع لأبنائها مكروه؟ هل تعود بعد ساعة أو في المساء؟ لكنّ يمينة ليست هنا الآن كي تجيبهم.. هي خارج المؤسسة.. لو استنطقت الطريق الذي سلكته يمينة ذاك الصباح لأخبرك.. لأخبرك عن خطوها وأنفاسها والعبرات التي لامست بعض زخاتها ذاك الطريق.. قضت يمينة يومها ذاك متنقلة من مركز إلى مركز ومن مخفر إلى مخفر لا أثر لزوجها سالم.. تعدّدت الروايات بشأنه حتّى استقرّت على أنّ سالم أُخذ إلى ثكنة الأخضرية.. وفي الثكنة لفظ سالم أنفاسه.. من كان معه أخبرها.. أخبرها آخر من رآه أنّ سالم لم يحتمل التعذيب فمات.. مات تحت يد معذّبيه.. كم كانوا لم يخبرها لكنّه يعرف واحدا منهم، فقد رآه بأمّ عينه.. مازال حيّا لكنّه الآن خارج الخدمة، وخارج البلاد.. يمينة تعرف اسمه، تعرف لقبه، تعرف ملمحه أيضا، وأين يقيم.. لكنّ عذابات يمينة تضاعفت وزادوا طينها بلّة حين جاءتها الأخبار في الفاتح من فيفري 94 أي بعد 24 ساعة أنّ جثّة زوجها هي الآن في مشرحة مستشفى الأخضرية.. وأنّه قضى نحبه حين حاول الفرار من قبضة الجيش بعد أن قرّر تحت الاستنطاق أخذهم لمكان تواجد زملائه الإرهابيين.. يا الله.. يا لفظاعة وقباحة الإخراج.. سيرة سالم تكذّبهم.. ميول سالم تكذّبهم.. منصب سالم يكذّبهم.. لكنّ سالم، كما قالوا، في المشرحة.. جثّة هامدة هكذا قالوا.. لكنّ يمينة وأهل زوجها لم يروها لم يتأكّدوا ويؤكّدوا أنّها لسالم.. ربّما جثة سالم في مكان آخر أو في قبر من قبور علامة “س”.. يمينة متعبة مرهقة لم تعد بيدها حيلة..

إيمانها بأنّ عدالة السماء ستبسط جناحيها يوما على الأرض..

وأنّ الذين جاءوا ملثّمين وثلموا فؤادها وفؤاد سليم وإيمان ورضوان ومحمّد أمين، سيزال عنهم اللثام.. وأنّ اليد التي جعلت من سالم الإطار بالصندوق الوطني للتوفير والاحتياط يسمع من جلاّديه أنّ “توفير الحياة والاحتياط للحياة” معهم لا ينفع.. ستلقى يوما جزاء صنيعها وسترى أنّ الندم ساعتها لا ينفع..

فلا دمعة إيمان ستغفر لهم ولا صدمة سليم ستغفر لهم ولا وجع محمد أمين في جوف الليالي سيغفر لهم ولا كلمات رضوان الممزوجة بالخوف لأمّه في الحافلة وقد صعد الجنود للتفتيش “يمَّا ياكْ راكي رافدا بطاقة التعريف.. راني خايف يديوَكْ أُو متولّيشْ كيما ادَّاوْ بابا أو مرْجَعشْ خاطرْ أنْسا.. مدّاش بطاقة التعريف أمعاهْ..” هذه الكلمات المرتعشة لن تسامحهم لن تغفر لهم.. فرضوان كان حاضرا حين أخذوا سالم.. رأى كيف أخذوه بعنف.. رأى كيف سقطت من سالم بطاقة التعريف.. براءة رضوان ظنّت أنّ أباه لم يعد، لأنّه لم يأخذ معه بطاقة التعريف..

يمينة قدّاش تحمل بطاقات ثلاث أينما حلّت وأينما ارتحلت: بطاقة تعريف في يدها وبطاقة تحدٍّ في عينيْها وبطاقة حبّ وحنان واشتياق في قلبها.. لأنّ زوجها سالم كما قالت حرفيًا “ترك الكثير من الكلام يجعلني اشتاق اليه كثيرا الى حد اليوم”..

هنا أتوقّف، ومن كانت له المقدرة على مواصلة الكتابة فليتفضّل.. قلبي يعتصر.. أعصابي تنفجر إن أنا واصلت فمعذرة يا قارئي..

حكيم قاسم
عضو المجلس الوطني لحركة رشاد
22 فبراير 2016